الابتكار الاجتماعي
قراءة في كتاب مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية

مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 11

قراءة في كتاب مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية

   مها الأحمد

قراءة-في-كتاب.png

مختبرات الابتكار هي تلك المساحة التي يُكتَشف بداخلها الكثير من الحلول للمشكلات التي تواجه الإنسان والمجتمع كله، وقد حَظِيت هذه المختبرات أخيراً على اهتمام كبير من قبل منظمات مختلفة، وازداد الطلب على استقطاب الكوادر البشرية المختصة للعمل بها وتطويرها، والسبب يعود لأهميتها ودورها الرئيس في التشجيع على الإبداع ونشر ثقافة الابتكار بشكل جاذب ومُمارس.

تجتمع داخل مختبرات الابتكار عقليات لا تتوقف عن التفكير، والبحث عن الطرائق المختلفة لإيجاد القيمة، أفراد يتمتعون بالجرأة والهوس الحقيقي لإحداث تغيير، ينظرون للمألوف ويستخرجون منه غير المألوف، أذهانهم منفتحة وتولد أكثر الأفكار غرابة وفائدة في آن معاً، يتمتعون بشجاعة الطرح، وقوة الإقناع، ونظرة عميقة تحليلية.

يعتقد الكثيرون أن أول خطوة لبناء المختبر هي توفير مساحة مادية وتجهيزها بالأدوات اللازمة، على الرغم من أن نقطة الانطلاق تبدأ بالأفراد، وتنتهي في المختبر كمساحة، تنتشر المختبرات، وتعمل بفاعلية عبر تهيئة الأفراد ومنحهم الحرية ومساحة غير ملموسة كالبيئة والثقافة والممارسات التي تُشعل أفكارهم وتكشف عن مهارات إبداعية يحتاج إليها مجتمعنا ومستقبلنا.

تعددت أشكال المختبرات وأنواعها وأهدافها حتى وصلت إلى المجال الثقافي وأصبحت جزءاً أساسياً في عدد من المؤسسات والهيئات الثقافية، لتساعدها في تحقيق رؤاها وتوليد قيم مبتكرة تعمل على تغيير شكل مستقبل الثقافة بمختلف مجالاتها. 

واستثماراً لهذا الاهتمام المتزايد بمختبرات الابتكار، أصدرت كلية لندن الجامعية في قطر بالتعاون مع مكتبة جامعة قطر والمكتبة البريطانية كتاباً وافياً حول هذا الموضوع بعنوان "مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية". واللطيف في الأمر أن إصدار الكتاب جاء نتيجة نشاط مبتكر عقد في سبتمبر 2019م في الدوحة، يمثل تفعيلاً حقيقياً لفكرة مختبرات الابتكار، وهو "سباق الكتب– booksprints".

سباق الكتب هي مبادرة مميزة وفريدة من نوعها أطلقت في عام 2005م، بدأت المبادرة بعمل تعاوني لمجموعة من الكتاب والخبراء والمختصين والمصممين والمحررين مع فريق إنتاج متخصص لإنتاج كتاب في مدة أشهر معدودة، وبعد ذلك طور آدم هايد الفكرة وصقلها لتكثيف التجربة وتقليص مدتها حتى وصل لموعد نهائي للتسليم غير قابل للتفاوض وهو خمسة أيام فقط!

وبعد كثير من المخرجات مع كثير من المنظمات، أقيمت المبادرة في قطر لإصدار هذا الكتاب بطريقة إبداعية من حيث تسلسل الموضوعات والأفكار وأسلوب الطرح وكأن الذي كتبه شخص واحد مع أن الحقيقة غير ذلك، فهو نتيجة عمل ستة عشر كاتباً كل منهم له عقليته وأفكاره الخاصة ومن خلفية مختلفة، ولكنهم جميعاً حرصوا على توحيد أفكارهم وترتيبها ودمج خبراتهم في كتاب واحد، يمنح قيمة وتجربة حقيقية، وبداية عملية لقارئه، لإرشاده لأفضل الممارسات التي يبحث عنها، ويوضح له أهمية هذا النوع من مختبرات الابتكار التي بدورها ستحدث نقلة في مستقبل المجال الثقافي.

يحتوي الكتاب في بدايته على عدد من المقدمات الافتتاحية التي جاءت لتعزز أهمية هذا الدليل وهذا النوع من المختبرات:

"كُلي إيمانٌ بأن مختبرات الإبداع يمكن أن تكون مفيدة خاصةً للمعارض والمكتبات ودور المحفوظات والمتاحف" الدكتور جورجيوس بابايوانو.

"أمانة المكتبة مهنة لا تخشى إعادة اختراع نفسها" جوديث برودي بريستون.

"كتاب مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية يلفت إلى أهمية بناء مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية، مع إبراز دورها الحيوي في تغيير مستقبل التراث الثقافي الرقمي" د. طلال العمادي.

عرَّف الفصل الأول من الكتاب ماهية المختبر، ساعياً إلى تغيير الصورة النمطية عن مختبرات الابتكار وتصحيح التصورات حولها، فهي مكان للتجريب والإبداع واستخدام التقنيات الجديدة الحالية والناشئة لإنجاح مجموعاتها بطرائق إبداعية وشفافة. وقد نشأ هذا النوع من المختبرات في الولايات المتحدة الأمريكية وصولاً إلى أوروبا وأستراليا والعالم كله. وتتمثل قيمتها في توفير الأساليب المختلفة للعمل وربط المؤسسات والتكنولوجيا والأفراد والمجتمعات معاً.

ومن أنواع المختبرات الثقافية مختبرات المكتبات الوطنية والمعتمدة في الدولة لتوفير الفرص للمجتمعات التي قد لا تصلها الخدمات التقليدية، وأيضاً مختبرات المكتبات الجامعية، ومختبرات المتاحف والمعارض والمختبرات الأرشيفية. 

وتفيد هذه المختبرات المنظمات نفسها في تسريع التغيير داخلها وإتاحة الفرص التشاركية وتشجع على تعزيز المهارات الحالية وتطوير الجديدة، وتساهم بدور كبير في تقليص التكاليف والحفاظ على تأثيرها وتعظيم أثرها.

كما أن فائدتها تطال كذلك المستخدمين مباشرة وتساعد في استحداث طرائق جديدة لاستخدام المجموعات ومشاركتها، ونظرات عميقة وتحليلية في منظمات التراث الثقافي والتطوير الوظيفي، وكذلك المجتمع والثقافة. 

جاء الفصل الثاني بعنوان: بناء مختبر المعارض والمكتبات ودور المحفوظات والمتاحف، ليعرض لنا أهم مبادئ التصميم للمختبرات وكيفية اختيارها وأهميتها في تحديد الطريقة التي يفكر ويعمل ويتفاعل بها المختبر مع العاملين فيه. لينتقل بعد ذلك إلى أهمية صياغة قيم المختبر بمرونة تتناسب مع الفريق والمؤسسة والمجتمع، مثل: الانفتاح الجذري، والشفافية، والتجريب، والتعاون، والابتكار، والاحتواء، والجرأة، والأخلاقيات والإتاحة. ولم يكتف بعرض هذه القيم، بل وضَّح بالأمثلة كيفية تنفيذها ونشرها بفاعلية وتوصيلها لكل أفراد الفريق.

وبعد وضع قيم المختبر ننتقل إلى مرحلة التصميم الفعلي وطرائق تضمين المجتمع والمستخدمين في منهج التصميم من خلال الدعوة لتدشين فكرة التصميم والمساهمة في إنشاء المحتوى ونقل تصورات المستخدمين واحتياجاتهم وتوقعاتهم حول المنتج والمشاركة في عمليات التقييم والتغذية الراجعة.

ومن النقاط التي يجب مراعاتها قبل إطلاق المختبر والمهمة في إنجاحه وانتشاره وتحقيق الأهداف التي أُنشئ لأجلها: تحديد الموقع داخل المنظمة، فإما أن يكون في قمة المخطط التنظيمي أو داخل قسم ما في المؤسسة، ومن ثم نأتي لنقطة اختيار مكتب المختبر الذي سيتيح للعاملين به سهولة الوصول للأشخاص، وسيعزز من مبدأ التعاون، ودمج الخبرات، مع أهمية خلق هوية المختبر التي يؤمن بها وتكون متصلة مع المؤسسة وتعكس توجهات المختبر ومنظوره.

 وبعد الانتهاء من تحديد قيم التصميم، ومبادئ المختبر، ووضعه، وهويته، علينا أن نحدد التأثير الذي يرغب المختبر بإحداثه من حيث الحجم ونوع التأثير وطرائق قياسه، والتحقق منه بوضع مؤشرات قياس كمية ونوعية، كرضا المستخدمين والتغيرات التي أحدثها على حياة أصحاب المصلحة. مع مراعاة أن هذه المؤشرات قد تكون غير دقيقة وصعبة الوصول، وهذا لا يلغي أهمية التحقق منها حتى وإن نقصتها الدقة الكاملة فهي مدخل يساعدنا على عمل مقارنة فيما كنا نخطط لإحداثه وما حصل بالفعل.

"لا مختبر من دون بشر"، بهذه الجملة ابتدأ الفصل الثالث لتوجهنا مباشرة لأهمية تشكيل فريق خاص بالمختبر يتمتع بشخصية ومستوى من المعرفة والخبرة والكثير من المهارات، مثل: الدبلوماسية في التعامل والصبر والتعاون، والقدرة على الإدارة الذاتية، مع قوة الإقناع والقدرة على حصر المخاطر وآلية مواجهتها مع كثير من المهارات التقنية والإبداعية. كما تحدث عن حجم المنظمة وحجم الفريق المطلوب للمختبر، والذي يُحدده رؤية المختبر وطموحاته والتوجه الذي يسير عليه، مع عرض لأهم المناصب الوظيفية التي تشكل الهيكل الوظيفي للمختبرات. ثم بعد ذلك اتجه نحو محور مهم وهو كيفية إنشاء فريق خاص بالمختبر، وما هي العوامل التي تحدد المنهجية المناسبة فلكل منظمة سياقها الخاص وخطتها ومواردها التي على ضوئها سيتشكل الفريق وسيحدد حجمه، ومن المهم أن يقف بجانب الفريق حلفاء نحظى بتأييدهم ودعمهم، وذلك من خلال المشاركة والتشاور وتكوين صداقات تجعلنا نقف جميعاً تحت سقف كلمة "نحن"، فللحلفاء أهمية عظيمة في تعزيز أثر المختبرات وتمكينه وضمان استمراريته.

بيئة المختبر تلعب دوراً كبيراً في نجاحه وتعزيز الرضا الوظيفي لدى الفريق لذا يجب أن تكون بيئة محفزة ينتعش فيها الإبداع ويعيش، تتبنى ثقافة الإخفاق والتعلم، وتشيد بالإنجازات، وتقدر الجهود، وتحفز موظفيها مادياً، ومعنوياً، وتستثمر بأعضاء الفريق، وتنمي مهاراته، وتسد ثغرات الأداء التي قد تظهر وتحتاج دوماً للتطوير والتحسين المستمر، ويمكن تطوير أداء الفريق وتحفيزه إما عن طريق تدريبه من قبل جهات خارجية مختصة أو من خلال الممارسة في أثناء فترات التجريب، أو عن طريق الأقران أو التعلم المجتمعي في المختبرات أو مجتمعات أخرى لتخصصات مختلفة كأبحاث الهندسة وغيرها.

تحدث الجزء الرابع عن مجتمعات المستخدمين، وعن ضرورة تصنيفهم وفهم احتياجاتهم ودوافعهم لتحديد الأنشطة الرئيسية التي سيقوم بها المختبر، وبناء على ذلك يمكننا تصنيف المستخدمين وفقاً لدوافعهم وأهدافهم فقد تختلف دوافع الباحث عن طالب الجامعة عن الشركات الناشئة، فكل منهم له دوافعه واحتياجاته، كما قد يختلف المستخدمون بناء على مستوى المهارات الرقمية، ونوع المشاركة، والعلاقات المؤسسية. 

تجني المختبرات الكثير من المكاسب من خلال التواصل الفعال مع جمهور المستخدمين وأصحاب المصلحة، ويتم ذلك إما من خلال اجتماعات منتظمة بسيطة أو عن طريق إقامة الفعاليات والمؤتمرات، ومن الأمثلة الرائعة التي ذكرها الكتاب هي ما قامت به مختبرات المكتبة البريطانية لتحفيز المدارس والكليات بعد أن لاحظت تدني أعداد الزوار منهم، كـإنشاء مكتبات مؤقتة في مواقع عدة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، كما روجت للمسابقات، وقدمت الجوائز وتواصلت مع الجمهور مباشرة، وشاركت أيضاً في ورش التوظيف المستقبلية التي تستهدف فئة أطفال المدارس في لندن الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و16عاماً، كما أنها  أطلقت تكاليف عمل مدتها أسبوعان لطلاب المدارس في مختبرات المكتبة البريطانية وصممت لهم برامج تتناسب مع أعمارهم ومستوى مهاراتهم لتسليم مخرجات مخططة لأعمال حقيقية ككتابة المدونات ومحتوى مواقع التواصل الاجتماعي والمونتاج وغيرها من الأعمال.

ناقش الفصل الخامس كيفية تحديد المجموعات ومدى ملاءمتها للمختبرات وكيفية توصيفها حيث إن من أهم أنشطة مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية هي توفير المجموعات وجعلها قابلة للاستخدام، والوصول على مستوى البيانات إلى المجموعات الرقمية من المعارض والمكتبات ودور المحفوظات والمتاحف. خاصة لأن المؤسسات الثقافية تمتلك عدداً كبيراً من المواد والبيانات الرقمية التي تعرض للمستخدمين للاستفادة منها، ويوفر جمعُ معلومات مشروعات الرقمنة السابقة والمستمرة نقطة انطلاق مثالية من أجل الحصول على سجل يشمل المجموعات الرقمية الحالية والمنشأة.

كما ذكر آلية تنسيق المجموعات ابتداءً بمرحلة استكشاف البيانات، ومن ثم اختيارها واستخراجها وبعد ذلك يجري تنظيفها وترتيبها، انتهاءً بمرحلة توصيفها وإثرائها باستخدام تقنيات مثل التعرف على الكيانات المسماة والبيانات المرتبطة. كما لفت الانتباه إلى أنواع أخرى من مجموعات البيانات، مثل: البيانات المشتقة والبيانات التدريبية، وكذلك البيانات المولدة بواسطة المستخدمين.

وناقش الفصل السادس "التحول" بوصف المختبرات قابلة للتحول بطبيعتها، ومنها المختبرات التي تركز على التحول الثقافي وهي وحدات صغيرة الحجم ورشيقة وتجريبية بطبيعتها وتقدم خدمات واسعة وتلتزم بمنظور طويل الأجل، تعمل بثقة وبأرضية صلبة ولا تخاطر. أو المختبرات التي تركز في عملها على تطوير المنتجات والخدمات الجديدة.

وتحدث الفصل الأخير من الكتاب عن التمويل والاستدامة، وتطرق إلى عدد من آليات التمويل مستعرضاً إيجابيات كل نوع منها وسلبياته، ومن هذه الأنواع: النوع الأول التمويل التنظيمي الهيكلي، والذي تتطابق مدته مع الخطة الإستراتيجية للمؤسسة، ومن إيجابياته أنه أكثر أماناً واستدامة للأنشطة والأفراد، ويعمل على دمج المختبر مع الهيكل التنظيمي العام، أما من ناحية سلبياته فينقصه المرونة، كما يتطلب الحصول عليه شرط التأسيس الفعلي للمختبر وثبوت أنشطته. 

النوع الثاني الذي جاء بذكره هو التمويل التنظيمي قصير الأجل، وهو الذي يُمنح خلال مدة التجربة ولكن هذا التمويل قد يعيق من الاستقرار الوظيفي، كما يتخلله في الغالب نية دمج المختبر في المؤسسة الأم ومن ثم يمهد للتمويل الهيكلي.

وأما النوع الثالث فهو التمويل الخارجي قصير الأجل، والمساهمة في توسيع الموارد وبناء المشروعات من إيجابيات هذا النوع من التمويل، إذ يعد فرصة حقيقية لنمو المختبر ويقلل من عبء التحديات المالية كما أنه يوسع ويعظم من شبكة المعارف والعلاقات التي تعود عليه بالنفع. إلى غير ذلك من أنواع وخيارات التمويل. 

وبعد أن ذكر لنا عدة طرائق للتمويل تطرق إلى تحديد أولويات النفقات، فهي مهمة وترتبط بأهداف المختبر أساساً، وأكَّد على قاعدة "عندما تواجه ميزانية محدودة ينصح بالتخطيط لميزانية مرنة"، ضارباً الكثير من الأمثلة للميزانيات القصيرة والطويلة، المحدودة والموسعة. وتطرق بعد ذلك إلى الخيارات الممكنة في حالة إيقاف تشغيل المختبر وتقاعده ومصيره الذي سيتحدد إما بدمج أنشطته مع أنشطة المؤسسة الأم، وذلك حينما ينتهي تمويل المختبر أو تنتهي الحاجة لعمله بأسلوب مستقل.

يؤكد لنا كُتاب هذا الكتاب على الأهمية التي تمثلها مختبرات الابتكار في المؤسسات الثقافية وسمات العاملين بها وشغفهم غير النهائي الذي دفعهم نحو العمل بها، موقنين أن "المختبرات هي الحلقة المفقودة بين التكنولوجيا والأفراد والمجتمعات وإذا نجحنا في تمكين المختبر سوف تستفيد المؤسسات الثقافية ومجتمعاتها من مستقبل أكثر ارتباطاً وانفتاحاً وشمولاً".

 

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...