الابتكار الاجتماعي
الابتكار التكنولوجي في إدارة وتنظيم الحج

مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 16

الابتكار التكنولوجي في إدارة وتنظيم الحج

   رنا متعب العتيبي

الابتكار التكنولوجي في إدارة وتنظيم الحج 

أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من العمليات الحياتية والتنظيمية في العصر الحديث نظرًا لارتباطها الوثيق بتقدم المجتمعات وتطورها، وشهد العالم تحولات سريعة في المجالات الاجتماعية والتكنولوجية مما أدى إلى ظهور مايُعرف بالثورة الصناعية الرابعة التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وتوظيفها لخدمة الإنسان والمجتمعات.

أولت المملكة العربية السعودية اهتمًامًا واضحًا بالتكنولوجيا المتقدمة في مختلف قطاعاتها، ونظرًا لأهمية الحج في حياة المسلمين باعتباره من إحدى الشعائر الإسلامية الأساسية، قامت المملكة بالاستثمار في التكنولوجيا وابتكار حلول تكنولوجية لإدارة وتنظيم الحج، بهدف تحسين العمليات التنظيمية وتعزيز تجربة الحجاج.

يُعد الحج عبادة مهمة في الإسلام، وله أهمية كبيرة في الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين، وهو أحد أكبر التجمعات البشرية في العالم، حيث يتوافد الملايين من الحجاج سنويًا إلى المشاعر المقدسة في المملكة العربية السعودية، مما يتطلب وجود إدارة فعالة للحشود وتنظيم حركة السير لضمان سلامة الحجاج، ومواجهة التحديات التي قد تواجه المسؤولين والجهات المنظمة لهذا الحدث الضخم.

وهنا يأتي الدور الأمثل في استخدام التكنولوجيا والابتكار التكنولوجي، نظرًا لأهميتهما في إدارة هذا الحدث الضخم وتعظيمه، حيث يمكن للابتكار التكنولوجي أن يوفر حلولًا مبتكرة لمواجهة تلك التحديات، كما يُسهم في تحسين تجارب الحجاج وتيسير أداء مناسك الحج.

ظهرت جهود المملكة العربية السعودية، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بشكل واضح في تطوير وإحداث نقلة نوعية كبيرة في إدارة الحج وتنظيمه، حيث وضعوا الخطط ذات الأهداف التنموية المستدامة طويلة المدى، والتي تمحورت في رؤية المملكة 2030 الطموحة، الهادفة إلى بناء مجتمع متكامل ومستدام قادر على مواكبة التطورات المستقبلية.

 

في هذا المقال، سنستعرض بعض الابتكارات التكنولوجية التي قدمتها المملكة العربية السعودية في إدارة وتنظيم موسم الحج.

1-         التطبيقات والمنصات الرقمية :

أصبحت التطبيقات والمنصات الرقمية أداة أساسية في إدارة وتنظيم الحج، حيث توفر مجموعة واسعة من المعلومات والخدمات للحجاج، فمن خلالها يمكن للحجاج الوصول إلى جداول زمنية للمناسك، وتوجيهات للمشاعر المقدسة، ومعلومات حول الخدمات المتاحة، وجداول الرحلات الجوية، والإقامة، والمواصلات، كما تُسهل من عمليات التواصل بين الحجاج والجهات المعنية وتقديم المساعدة عند الحاجة. من أمثلة هذه التطبيقات:

-     تطبيق "توكلنا": يعتبر تطبيق "توكلنا" واحدًا من أبرز التطبيقات المحمولة المستخدمة في إدارة الحج في السعودية، تم تطويره بالتعاون بين وزارة الحج والعمرة وهيئة البيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا"، يوفر التطبيق مجموعة واسعة من المعلومات والخدمات للحجاج، من خلال خدمة "بوابة المناسك"، حيث تتميز تلك البوابة بعدة مزايا تتمثل في توفيرها لبعض الخدمات: كمعرفة مؤشر السعة المحجوزة، و استعراض التصاريح، وإدارة المرافقين وخدمات النقل.

-     منصة نُسُك تعتبر أول منصة رسمية سعودية تمكن المسافرين من جميع أنحاء العالم من تنظيم وتخطيط زيارتهم للعمرة أو الحج بسهولة، حيث يمكنهم القيام بالحجز والتخطيط لجميع تفاصيل رحلتهم، بدءًا من طلب التأشيرة الإلكترونية وحتى حجز الفنادق وترتيب الرحلات الجوية.

مستقبلاً، ستسمح هذه المنصة بجدولة الزيارات للمواقع الهامة، والعثور على وسائل النقل، وتنظيم مسارات الرحلات، بالإضافة إلى توفير خدمات متنوعة مثل تعقب الطواف، وغيرها.

-     بناء منظومة رقمية ذكية: أنشأت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مركز عمليات مكة الذكية" Smart Moc" لمتابعة المنصات الرقمية الذكية التي جهزتها بالتعاون مع وزارة الداخلية، بهدف تحسين تجربة الحجاج من خلال توفير المعلومات والتحليلات اللازمة لاتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة سير موسم الحج. وقدمت سدايا خلال موسم الحج إمكانيات متقدمة في مجال البيانات والتقنيات الاستشرافية لدعم الجهات الأمنية، مما شمل بناء منظومة رقمية ذكية تتضمن منصات مثل "سواهر" و"بصير" لتحليلات متقدمة حول موسم الحج، بهدف تأمين وإدارة حشود الحجاج وتسهيل تنقلهم بأمان وسلاسة بين المشاعر المقدسة ومكة المكرمة. 

2-         سوار الحاج الذكي (نسك):

يعد من إحدى مبادرات برنامج خدمة ضيوف الرحمن، الذي يقدم تقنيات مبتكرة تعمل على تطويرها سدايا بالتعاون مع وزارة الحج والعمرة وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن وبالشراكة مع شركة (stc). تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق حج ذكي وميسر، وإثراء التجربة الدينية للحاج، من خلال تقديم خدمات ذات جودة عالية وتوفير معلومات حول الحاج ورصد الحالة الصحية ومساعدة الحجاج في التفويج، بالإضافة إلى إمكانية طلب المساعدة (الإرشادية والأمنية والطبية).

3-         نظام إدارة التفويج الذكي:

يعتمد هذا النظام على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل حركة الحجاج على جميع مسارات القطار والمسارات الرئيسية المؤدية إلى جسر الجمرات. تم ربط النظام ببطاقة ذكية يحملها مرشد المخيم أثناء رحلته من موقع إقامته في منى إلى جسر الجمرات، بهدف تعزيز الالتزام بالتفويج. يهدف النظام إلى دعم اتخاذ القرارات في منصة إدارة التفويج الذكية، من خلال مراقبة مواعيد وصول وانطلاق القطارات، وإدارة الحشود في مداخل محطات القطار، ورصد معدلات تدفق الحشود في منشأة الجمرات، بالإضافة إلى متابعة الالتزام بجداول التفويج باستخدام بطاقة التفويج الذكية، والتحكم ومتابعة تدفق الحشود في مشعر منى.

نستنج مما سبق أن المملكة العربية السعودية قدمت جهوداً في إدارة وتنظيم الحج الذكي من خلال تفعيل الابتكارات التكنولوجية التي تم عرضها سابقًا، مما يعكس التقدم الاجتماعي والتحول الرقمي الذي يشهده المجتمع الحديث، تمثل الابتكارات استجابة للتحديات التي يواجهها الحجاج وتهدف إلى تحسين تجربتهم ورفع جودة الخدمات المقدمة لهم.

اجتماعيًا تُعد هذه الابتكارات جزءًا من توجه المجتمع السعودي نحو تطوير الخدمات وتحسين جودة الحياة للمواطنين والزوار، حيث يعكس استخدام التكنولوجيا في إدارة الحج إرادة المجتمع في تقديم خدمات متقدمة ومبتكرة، وتعزيز التواصل وتبادل المعلومات بين الحجاج والجهات المعنية.

بشكل عام تجسّد هذه الابتكارات التكنولوجية في إدارة الحج في المملكة العربية السعودية الجهود المبذولة لتحسين تجربة الحجاج وتوفير خدمات متقدمة، حيث تعتبر هذه الابتكارات جزءًا من النمو الاجتماعي والتطور التكنولوجي الذي يسعى إليه المجتمع الحديث، مع الحفاظ على التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على القيم والتقاليد الثقافية للحج.

 

ختامًا نتطلع إلى مزيد من التقدم والتطور في إدارة وتنظيم الحج بالاستفادة من الابتكار التكنولوجي، مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والتقنية لضمان تلبية الاحتياجات ( الاجتماعية والتقنية المتغيرة). حيث يتم تصميم الحلول التكنولوجية من خلال بناء منظومة متكاملة ذات طابع تشاركي ما بين الجهات المعنية في تطوير وإدارة الحج وقطاعات المجتمع الثلاثة، بهدف صنع حلول ابتكارية ملائمة للاحتياجات الحالية للحجاج، إضافة إلى تطوير الحلول التكنولوجية بحيث تكون قابلة للتنفيذ والتحسين للمساعدة في تلبية التحديات المستقبلية والتغيرات البيئية والاجتماعية التي قد تطرأ على موسم الحج في المستقبل.

 

 

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...