مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 17
الابتكار في القطاع البلدي والإسكاني حول العالم
أفضل ممارسات القطاع البلدي والإسكاني عالمياً:
تعد الخدمات التي توفرها قطاعات البلدية والإسكان في العالم أحد أهم الاحتياجات الأساسية، وأكثرها تعقيداً وتحدياً للابتكار، لكون ذلك يتطلب إنشاء حلول جديدة، أو تطوير حلول قائمة وتحديثها بما يتناسب مع الوضع الراهن، وذلك من قبل القائمين على المشروعات التنموية في هذا القطاع، من خلال التفكير والتخطيط المسبق لعمليات التصميم والبناء والتمويل والإدارة والاستدامة.
السياسات البلدية والإسكانية المستجدة في العالم:
برنامج الأمم المتحدة الإسكاني في سيرلانكا:
يقدم برنامج الأمم المتحدة للإسكان الدعم للجهات الحكومية الراغبة في تنمية قطاعاتها الخدمية، من خلال توفير مساكن وفق معايير البناء المستدام، الذي يهدف بنحو أساسي إلى تعزيز كفاءة الموارد، وتضمين جهود التكيف والمرونة، وتقديمها بأسعار معقولة.
تبني منظمة الإسكان التابعة للأمم المتحدة إحصاءاتها التقديرية لعام 2030م بزيادة الطلب لنحو 40% من سكان العالم في الحصول على سكن مناسب، وهذا يعني زيادة العمل على إنشاء وحدات سكنية جديدة ملائمة لمعايير السلامة والاستدامة، وميسورة التكلفة، وسهلة الوصول للمتناول.
ويعد الحصول على المساكن خصوصاً في المناطق النائية والفقيرة، وعلى وجه التحديد مناطق القارة الأفريقية كسيرلانكا شرطاً أساسياً لتأمين فرص العمل، ومتابعة التحصيلات العلمية، وتوفير الرعاية الصحية الشاملة، واستدامة الخدمات الاجتماعية فيها.
استفاد نحو 1600 عائلة من المشروع المقدم من برنامج الإسكان التابع للأمم المتحدة، الذي تضمن منح وحدات سكنية عالية الجودة لها، فاستطاع البرنامج من خلال مساهمته تلك معالجة أكثر القضايا إلحاحاً، التي واجهت سيرلانكا والتي تمثلت في عدم القدرة على تحمل التكاليف الكبيرة من قبل الأفراد في شراء المنازل أو استئجارها، والرغبة منهم في السكن اللائق والملائم، وكذلك تحقيقاً لسعي البرنامج الأممي في تحقيق الجودة والأثر البيئي من خلال تقديم هذه الخدمات.
Freiburg Vauban المدينة الأكثر استدامة في العالم (ألمانيا):
تقع Vauban في مدينة فرايبوغ بألمانيا، تشتهر بكونها واحدة من أكثر المدن استدامة في أوروبا، تنتشر الألوان الخضراء في كل مكان فيها، حيث ينمو العشب بين مسار القطار، تضم المدينة حصة كبيرة من المباني الخضراء ذاع صيتها كثيراً في الأوساط البيئية العالمية، لريادتها في إنشاء المباني، التي تعتمد على النظام الشمسي بامتياز.
يهدف مشروع تعزيز الطاقة الشمسية في المدينة إلى توفير طاقة إضافية (كهرباء وتدفئة) من خلال توفير كمية كبيرة من المنظومة الشمسية، ويقطن عدد لا بأس به من سكان المدينة في وحدات سكنية تعمل على الطاقة النظيفة، تتميز هذه المساكن بأنها ذات قدرة طاقية كبيرة، إذ تنتج الطاقة أكثر مما تستهلكها، مما يسمح للسكان ببيع الطاقة الزائدة المولدة من الألواح الشمسية إلى البلدية الكهروضوئية، لتخدم منازل أخرى في المجتمع، مما يؤدي إلى انخفاض استخدام الكهرباء المولدة من المحطات الحرارية.
لا يلجأ سكان Vauban إلى استخدام السيارات، فهم في الغالب يختارون استخدام القطار الكهربائي، أو ركوب الدراجات أو حتى المشي، لذا تعد مدينة Vauban منطقة شبه خالية من أي مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
شهدت المدينة تطوراً كبيراً من مختلف النواحي الخدمية، تتميز Vauban بحديقتها "Wandel Garten" التي تشتهر بكثرة التسميد، وزراعة الخضراوات، كما تضم خمسة ملاعب ضمن مساحتها الخضراء، تمارس الأنشطة فيها في الطبيعة.
مشروع تطوير بحيرة واتكوم في أميركا:
تتميز بحيرة WHATCOM بكونها مورداً حيوياً لتوفير مياه الشرب للسكان في مقاطعة Bellingham، ومورداً ترفيهياً اقتصادياً سياحياً هاماً للمدينة.
يتسم المشروع بكونه واحداً من الجهود المبذولة لمعالجة مخاوف جودة مياه الشرب لأكثر من 100000 من سكان مقاطعة WHATCOM، إذ أدرجت إدارة البيئة في واشنطن البحيرة كمساحة مائية ملوثة، لا تلبي معايير الجودة الخاصة بنظافة المياه وصلاحيتها، لتراكم كميات عالية من الفوسفور داخلها.
حيث يمكن لكميات الفوسفور الهائلة في البحيرة أن تؤدي إلى نمو الطحالب بشكل كثيف ومتزايد، مما يعكر صفو المياه ويحجب ضوء الشمس عن الكائنات الحية فيها، يؤدي ذلك إلى استنزاف حياة تلك الكائنات وتعرضها للهلاك الحتمي.
لذا، أبرمت اتفاقية ووقع عقد بين بلدية بيلينجهام وشركة Herrera)) لتصميم مشروع تجديد بحيرة واتكوم WHATCOM وتطويرها، يبدأ المشروع مساره التصميمي في منتصف يوليو 2024، ومن المتوقع أن يُبدأ في إنشائه صيف 2025م.
تهدف هذه الاتفاقية إلى إعادة تأهيل مرافق تصريف مياه الأمطار، وإزالة الفوسفور من البحيرة والحد من تلوثها.
Zaryadye park:
موقع المشروع:
تقع الحديقة في روسيا، وتحديداً في منطقة موسكو، بجوار نهر موسكفا على بعد خطوات من الساحة الحمراء والكرملن، أنشئت عام 2017 م.
وصف المشروع:
تعد الحديقة أول حديقة تبنى في السنوات السبعين الماضية، فهي في الوقت نفسه حديقة ومساحة اجتماعية وثقافية وترفيهية، حيث تحتوي على سلسلة من المطاعم، وقاعات لإقامة الحفلات، ولتحقيق هذا التزامن بين الأنشطة أنشئت المناظر الطبيعية فوق المباني، مما خلق سلسلة من المقارنات بين الطبيعي والاصطناعي، والحضري والريفي، والداخلي والخارجي، يولد هذا التشابك بين المناظر الطبيعية والاصطناعية "تخطيطاً حضرياً برياً".
تتفق العناصر المميزة للمنطقة وأحجار الأرصفة في الساحة الحمراء مع الحدائق المورقة في الكرملين لإنشاء الحديقة الجديدة، ذات الطابع الحضري والبيئي في الوقت نفسه، إذ تعد حديقةZaryadye هي الحلقة المفقودة التي تكمل مجموعة المعالم الأثرية وسط موسكو.
تكثر التراسات بين كل ركن من أركان الحديقة، حيث تعيد هذه التراسات إحياء أربعة مناظر طبيعية إقليمية متنوعة موجودة في روسيا، وهي: التندرا والسهوب والغابات والأراضي الرطبة، تعمل الطبيعة والهندسة المعمارية في الحديقة كوحدة واحدة، يسعى المعنيون فيها إلى تسهيل استراتيجيات التحكم في حالات المناخ، التي تضمن للزوار الاستمتاع بالحديقة طوال الموسم.
تأخذ المناطق الطبيعية طابع التجمع والراحة، بالتناغم مع بقية النشاطات المتوفرة في الحديقة، بالإضافة إلى توفير سلسلة من الإطلالات كإطار للمناظر الطبيعية للمدينة، لإعادة اكتشافها من جديد، بحيث تصمم تجربة كل زائر.
Lavasa – الهند:
موقع المشروع:
تقع مدينة لافاسا ذات التخطيط الجميل على بعد نحو ٦٥ كم من مدينة بوني، تبعد عن مومباي العاصمة نحو 4 ساعات، تحيط بها جبال غاتس الغربية، بنيت المدينة في وادي مولشي.
وصف المشروع:
أنشأ المدينة الملياردير الهندي "أجيت جولابتشند" بكلفة تقدر بـ 30 مليار دولار أميركي، اكتسبت المدينة شعبية هائلة بين السياح الأجانب، يكمن جمال هذه المدينة المخططة بخاصة في المزيج السلس من البنية التحتية المذهلة وجمال الطبيعة الأخاذ، حيث نجد اختلافات طبوغرافية مختلفة، مثل: سلسلة جبال ساهيادري الشاهقة، بالإضافة إلى الأنهار والوديان الرائعة، تعمل الأجواء اللطيفة في المدينة جنباً إلى جنب مع جمال الطبيعة على تهدئة الروح من فوضى الحياة اليومية المرهقة.
يعد المشروع مشروعاً طموحاً، لأنه يقوم على بناء مدينة خاصة من الصفر، ووفق الإحصائيات ستصل مساحة المدينة إلى نحو 100كم مربع، كما سيصل عدد سكانها إلى 300، موزعين على 5 قرى، ستبنى على 7 تلال.
تتميز المدينة بكونها مدينة نظيفة لا تنقطع فيها الكهرباء، خدمة الإنترنت فيها سريعة للغاية، ومياهها نظيفة صالحة للشرب، وتتنوع فيها البوليفاردات، مما يقلل الحاجة إلى قيادة السيارات.
تتراوح أسعار الشقق فيها بين 17 ألف دولار وحتى 36 ألف دولار فهي ليست صالحة للفقراء.
Songdo central park:
موقع المشروع:
حديقة عامة تقع في مدينة Songdo في إنتشون في كوريا الجنوبية، ولقد صممت هذه المدينة لتكون مستدامة وعالية التقنية، تتمتع المدينة ببنية تحتية متقدمة، بما في ذلك نظام نقل فعال، وخدمة إنترنت عالية السرعة في كل مكان.
Songdo مدينة بنيت حديثاً في عام 2015 على مياه البحر، حيث حسرت مياه البحر، وأنشئت أرض لإقامة تلك المدينة عليها، تضم الفنادق والمطاعم والمقاهي، التي صممت على الطراز الكوري القديم، مع إضافة بعض الإضاءة الملونة لجذب أعين الزائرين، يدخل مشروع الحديقة ضمنها محوراً أساسياً لخطة المساحة الخضراء المستوحاة من سنترال بارك في مدينة نيويورك، تغطي الحديقة ما يقارب نحو 10% من المساحة الإجمالية للمدينة.
وصف المشروع:
بنيت الحديقة في عام ٢٠٠٩، وهي أول حديقة في كوريا تستخدم مياه البحر، حيث تتوسطها قناة من مياه البحر ومساحات خضراء جاذبة للأعين، وجسور فوق الماء للانتقال من جهة إلى أخرى، وأيضاً بعض الأنشطة المائية.
تتصف الحديقة بأنها أول حديقة مائية في البلاد، حيث توفر الحديقة للزوار أنشطة مائية متنوعة، بما في ذلك سيارة الأجرة المائية والتجديف، كما يمكن للزوار الاستمتاع أيضاً بالنشاطات الثقافية والفنون في جميع أنحاء الحديقة.
يمكن للزوار المشي على طول الشاطئ والاستمتاع بمناظر البحر والاستمتاع بالهواء النقي، تحتوي الحديقة أيضاً على مقاعد وطاولات، مما يجعلها مكاناً مثالياً للاسترخاء والاستمتاع بتناول وجبة أو شرب قهوة في الهواء الطلق، كما تتسم بوجود مكان فيها مخصص للحيوانات اللطيفة كالغزلان والأرانب.
BedZED المملكة المتحدة:
أول مجتمع مستدام كبير متعدد الاستخدامات في المملكة المتحدة.
موقع المشروع:
يقع المشروع في مدينة ساتون جنوب لندن، يعد أول مشروع صديق للبيئة بمعدل صفري للكربون، ملهماً لمشروعات أخرى أكثر تطوراً في مجال البيئة المستدامة والطاقة النظيفة.
قصة المشروع:
في عام ١٩٩٧ كان المهندس المعماري بيل دنستر مع مجموعة من المهندسين في BedZED يتباحثون عن فرصة لإنشاء قرية صديقة للبيئة خالية من الكربون، ولحسن الحظ عرض مجلس المدينة بيع أرض مفتوحة غير جاهزة في مزاد علني لتطوير مساكن ضمنها، اشترى تلك الأرض شركاء المشروع، وبدأ البناء عليها في عام 2001، بعد اكتماله في عام ٢٠٠٢ اكتسب المشروع شهرة واسعة، بسبب حجم طموحاته، كونه أول مشروع سكني جديد كبير يجتذب آلاف الزوار من جميع أنحاء العالم.
وصف المشروع:
أطلق BedZED بواسطة Bioregional بالشراكة مع Peabody Trust لتطويرها والانتهاء من بناء أول مجتمع مستدام متعدد الاستخدامات على نطاق واسع في المملكة المتحدة في عام ٢٠٠٢، يتكون المشروع من ١٠٠ منزل ومساحات مكتبية وكلية ومرافق خدمية مجتمعية.
تميز المشروع باتباع منهجية إعادة التدوير التي شملت:
٣٤٠٠ طن من مواد البناء المستخدمة في المشروع أي ١٥ % من إجمالي المواد كانت عبارة عن منتجات معاد تدويرها، كان منها الفولاذ المستخدم في المبنى، والذي كان معظمه مأخوذاً من أعمال التجديد في محطة برايتون للسكك الحديدية.
الأراضي التي تقع عليها القرية البيئية، والتي استخدمت لسنوات عديدة لتصريف مياه محطات الصرف الصحي، أعيد استخدامها بما يخدم المشروع.
كما تضمن المشروع استخدام الألواح الشمسية، التي ساهمت بدورها في التقليل من استخدام الكهرباء ل BedZED، حيث تعمل الأجهزة الموفرة للطاقة على تقليل فواتير الطاقة.
يتميز المشروع بتوفير مساحات خضراء فعلى الرغم من أنBedZED عبارة عن مشروع سكني عالي الكثافة، إلا أن معظم المنازل فيه تمتلك مساحة خارجية خاصة تشتمل على حدائق صغيرة.
برنامج هيئة التعاون الدولي الياباني في مصر:
وصف موقع المشروع:
تتميز شبه جزيرة سيناء المصرية بموقعها الاستراتيجي المتميز، نظراً لأنها تربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، كما يحدها اثنان من البحار الرئيسية هما: البحر الأبيض المتوسط شمالاً والبحر الأحمر جنوباً، ويحدها غرباً قناة السويس، والتي تعد أحد أهم الطرق البحرية في العالم، ويعطي موقع سيناء المتميز الأهمية الاستراتيجية لمصر، إذ تعد البوابة الرئيسية للقارات الثلاث.
ويمكن استغلال المميزات والإمكانات المتعددة، التي تتمتع بها شبه الجزيرة، لتنال دوراً اقتصادياً أكبر، لذا كان من الضروري إنشاء جسر لربط شبه الجزيرة بباقي الأراضي المصرية، بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية في مصر.
ميزات المشروع:
يبلغ طول الجسر 9 كيلومتر، ويتكون من الجزء المعدني المحمول بالكابلات في وسطه، ويصل طوله إلى 4 كيلومتر، أما الجزء المؤدي للجسر من الطريق الأرضي يصل طوله إلى 5 كيلومتر، ويبلغ فرق الارتفاع الصافي بين الجسر ومستوى المياه نحو 70 متراً، مما يسمح لجميع أنواع السفن بعبور قناة السويس دون قيود، كما يبلغ ارتفاع الأبراج الحاملة للجسر 154 متراً.
قسم المشروع على ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى: في البداية أجرت الهيئة اليابانية "دراسة مدى جدوى بناء الجسور والمعابر فوق قناة السويس" في الفترة التي كانت ما بين يونيو 1995 حتى أكتوبر 1996 لتحديد أفضل الطرق لربط شبه جزيرة سيناء مع باقي الأراضي المصرية، وأفادت الدراسة بأن الحل الأمثل هو إنشاء جسر في منطقة القنطرة بالقرب من شمال محافظة الإسماعيلية.
- المرحلة الثانية: بعد ذلك أرسلت الهيئة اليابانية وفداً من الخبراء الفنيين إلى مصر، للمساهمة في إنشاء الجسر من خلال عدة مراحل بمشاركة الجانب المصري في تقديم أحدث الخبرات والتقنيات للمشروع.
- المرحلة الثالثة: بعد الانتهاء من إنشاء الجسر، أرسلت الهيئة اليابانية خبراء يابانيين في المدة ما بين 2012 و 2016، لدعم الهيئة العامة للطرق والجسور والنقل البري في أعمال الصيانة الدورية، وتبادل الخبراء اليابانيون الخبرات والمعارف مع الجانب المصري حتى أنهوا أعمال الصيانة بسلاسة، ومن المتوقع أن تساعد أعمال الصيانة الدورية على الحفاظ على كفاءة صلة الوصل هذه.
تكلفة المشروع:
قدمت الحكومة اليابانية منحة مالية بقيمة 13.5 مليار ين ياباني لتغطية نحو 60% من إجمالي تكلفة إنشاء جسر السلام أعلى قناة السويس (جسر الصداقة المصرية اليابانية)، والذي وصل فيما بعد إلى 22.5 مليار ين ياباني.
خلاصة القول:
إن خدمات البلدية والإسكان يمكن أن تسهم إسهاماً فاعلاً في خلق قنوات جديدة للبنية الاقتصادية للسوق، ويمكن أن تسهم أيضاً في توفير وظائف بأرقام جيدة، تسهم في تقليل معدلات البطالة في الدول، ويتطلب تقديم هذه الخدمات مبادرات مخطط لها وتنظيماً فاعلاً لهيكل السوق، وهو ما يمكن أن تتبناه وزارات الإسكان في العالم.

