مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 17
المدن الذكية: مسار جديد نحو التنمية الحضرية المستدامة
قبل البدء
صديقي القارئ، أرجو أن تكون بخير وعافية، إذا كنت تقرأ هذا المقال عبر شاشة جوالك أو حاسوبك من منزلك الصغير في قرية جميلة، لا يتناهى إلى سمعك أبواق السيارات، ولا شجار الناس، ولا صياح الباعة المتجولين، ولا صرير القطار (الترام)، ولا يشوش هدوءك أو يعكر صفاءك إلا ثغاء الغنم، أو نقنقة الدجاج، أو صياح جارة لجارتها، فأنت في نعيم كبير، وراحة تامة أحسدك وكثيرون غيري عليها، ولم لا؟ وفي الريف الصحة والهدوء، والراحة والسكينة، والهواء النظيف، والطقس المعتدل، وبشر لم تعكرهم ضغوطات المدينة وأمراضها.
وفي غالب الظن أنك في مدينة مضغوطة كعلبة السردين، وليست مدينتك الوحيدة كذلك، فمدن العالم اليوم مكتظة، تواجه ضغوطاً كبيرة بسبب التضخم السكاني، والإصلاحات الاقتصادية المتعثرة، والهجرة من الريف طلباً للرزق والتمدن، والتلوث الخانق، والضوضاء، ومع إدراك الحكومات ضرورة مواجهة هذه التحديات، اتُّخِذت مبادرات تخفف من حدة تلك الضغوط، وتجعل المدن أكثر قابلية للعيش، وفي هذا السياق ظهر مفهوم المدينة الذكية، الذي يركز على خلق بيئات أكثر استدامة وكفاءة وصالحة للسكن عبر استخدام الموارد بذكاء وفاعلية.
لا أدافع في هذا المقال أبداً عن المدينة، ولا أحاول تجميلها بعد أن دمرها الإنسان ولوثها، جلّ ما هنالك أننا محكومون بالعيش فيها حكماً اضطرارياً، ولا بد للإنسان مع الاضطرار أن يبحث عن الحلول، التي تُصلِح ما أفسدته يده، وتعالج ما خرَّبه بتقدمه، وتجعل تلك الأماكن أفضل للعيش، وفي هذا الصدد أستعرض مفهوم المدينة الذكية وتطبيقاتها، الذي لم يسبق للعالم أن احتاج إليه يوماً كما يحتاج إليه الآن، بسبب المشكلات آنفة الذكر، والمشكلات التي لم تظهر بعد.
أولاً: الإطار المفاهيمي للمدن الذكية
في الأدبيات العلمية هناك عدة تعريفات للمفهوم تختلف فيما بينها بين: 1) العناصر التي يجب أن تتضمنها المدينة حتى تعد ذكية، أو 2) الموارد التي يجب أن تستخدمها، أو 3) الميزات التي يجب أن تقدمها، أو 4) أهداف المدينة الذكية وغرضها ونطاقها، وقد نجد تعريفاً يجمع بين اثنين أو أكثر من المحددات السابقة.
يعرف رودولف جيفينجر Rudolf Giffinger مفهوم المدينة الذكية على أنها: استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع المشاركة العامة في إدارة النقل، والاقتصاد، واستخدام الموارد، ورأس المال البشري والاجتماعي، ونوعية الحياة.
وأشار تقرير وزارة التنمية في تركيا حول "الحلول المبتكرة المدعومة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات"، إلى مفهوم المدينة الذكية على أنه: الحلول التي تهدف إلى حل المشكلات التي تواجهها المدن، وتحسين جودة حياة سكانها، وفي تعريف آخر: هي المدن التي تدمج البنية التحتية للخدمات، مثل: التعليم، والإدارة، والصحة، والنقل، مع البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات.
تعد التعريفات المتعلقة بالمفهوم متباينة بطبيعتها، وتعكس التعريفات السابقة منظورات مختلفة لتطوير المدن الذكية، بدءاً من تبني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى التواصل مع المستخدمين، والحوكمة الإلكترونية، والتعليم، والاستدامة.
ثانياً: مكونات المدن الذكية
تهدف المدن الذكية إلى إنشاء بيئات ذكية ومبتكرة توفر للسكان حياة جيدة، وكفاءة عالية في الخدمات العامة، في العديد من المجالات، مثل الإدارة المحلية، والاقتصاد، والنقل، والطاقة، والبنية التحتية، والبيئة، والمياه، وإدارة النفايات، والأمن، والوصول إلى المعلومات.
تتكون المدن الذكية من مكونات تسعى عبر دمج التكنولوجيا الحديثة والحلول الرقمية، إلى تحسين إدارة المدن وبنيتها التحتية وخدماتها، وفيما يلي المكونات الرئيسية للمدن الذكية:
- الإدارة الذكية: مفهوم يهدف إلى إنشاء عملية إدارة أكثر فاعلية وشفافية وتشاركية، من خلال دمج التكنولوجيا واستخدام البيانات، يعزز هذا النهج أساليب الإدارة التقليدية بحلول رقمية، مما يمكن المدن والمؤسسات العامة من العمل بكفاءة أكبر، وتقديم خدمات أفضل للمواطنين.
- الاقتصاد الذكي: في المدن الذكية يعد الاقتصاد الذكي أحد أكثر المكونات تفضيلاً مقارنة بالمكونات الأخرى، لدوره في دعم التنمية وزيادة قدرة المدينة على إدارة نفسها إدارة مستقلة، ولذا تشتمل معظم المدن الذكية على مكون الاقتصاد الذكي بوصفه جزءاً أساسياً من بنائها، ويعتمد الاقتصاد الذكي على تعزيز الكفاءة، والتجارة الإلكترونية، وتطبيق أنظمة الإنتاج والإدارة المتقدمة بدعم من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ويتناول مفاهيم مثل الروح الابتكارية، وريادة الأعمال، والإنتاجية، وسوق العمل، والتكامل الدولي.
- النقل الذكي: ينتج قطاع النقل أكبر نسبة من انبعاثات الكربون العالمية، ولكن التطورات التقنية، مثل التنقل الإلكتروني (السيارات الكهربائية، المواصلات العامة (الحافلات) تعمل بطاقة كهربائية أو شمسية) تساهم في تقليل انبعاثات الكربون، مما يؤدي إلى تعزيز الرفاهية في المدينة وتحسين جودة الحياة حول العالم.
- البيئة الذكية: مفهوم يدمج التكنولوجيا واستخدام البيانات، لتعزيز الاستدامة البيئية وتشجيع الاستخدام الفعّال للموارد الطبيعية، تقدم حلول البيئة الذكية نهجاً مبتكراً في مجالات مثل مراقبة البيئة، وإدارة الموارد الطبيعية، وإدارة النفايات، وكفاءة استهلاك الطاقة، كما تُستخدم تقنيات مثل أنظمة الإضاءة الموفرة للطاقة، والمباني الصديقة للبيئة، والأجهزة الذكية، وتحليلات البيانات لمراقبة المعايير البيئية وتحليلها، حيث تهدف هذه التقنيات إلى جعل المدن والصناعات أكثر استدامة وصديقة للبيئة.
- الإنسان الذكي: يشير إلى الأفراد الذين يستخدمون التكنولوجيا بفاعلية للحصول على المعلومات والتواصل وحل المشكلات.
- الحياة الذكية: تُعرّف الحياة الذكية على أنها استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتلبية احتياجات الأفراد، وتوفير حياة طيبة لهم من خلال إدارة ذكية للمساحات والخدمات العامة، تتضمن معايير الحياة الذكية مجالات مثل الصحة، والسياحة، والثقافة، والأمن، بهدف تسهيل حياة الأفراد وضمان حياة أكثر صحة وراحة.
ثالثاً: التنمية الحضرية المستدامة
عرفت المفوضية الأوروبية الاستدامة الحضرية على أنها: حل المشكلات التي تحدث داخل المدن أو التي تتسبب بها المدن، وعرف برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية المفهوم بأنه: عملية ديناميكية تجمع بين الاستدامة البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والمؤسسية.
وعموماً تشير التنمية الحضرية المستدامة إلى: تعزيز رفاه المدن على المدى الطويل من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ويقوم هذا النهج على مبدأ حماية الموارد الطبيعية وعدم الإضرار بالبيئة خلال عمليات نمو المدن وتطورها.
وتستند التنمية الحضرية المستدامة إلى مبادئ الاستدامة البيئية والاجتماعية والاقتصادية، وتتبنى نهجاً متكاملاً وطويل الأمد في تخطيط المناطق الحضرية وإدارتها وتطويرها، ويهدف هذا النهج إلى معالجة التحديات المختلفة التي تواجه المدن مع مراعاة احتياجات الأجيال القادمة، لضمان أن تكون المدن أكثر مرونة وكفاءة وقابلة للعيش.
رابعاً: دور المدن الذكية في تعزيز التنمية الحضرية المستدامة
منذ الثورة الصناعية كان للتطور والتقدم الصناعي والتقني في الإنتاج والاستهلاك، والتسلح المتزايد، والحروب تأثيرات سلبية ضخمة، ومن المتوقع أنه بحلول عام 2050 سيعيش معظم سكان العالم في المدن، خاصة مع النمو المتزايد في البلدان النامية، وكما تظهر الأرقام فإن تلبية احتياجات البشر غير المحدودة مع إدارة الموارد المحدودة بنحو فعال ومستدام يمكن تحقيقه فقط من خلال الحلول المبتكرة والمدن الذكية، التي تلعب دوراً مهماً في تعزيز التنمية الحضرية على النحو التالي:
- الاستخدام الفعال للموارد: تعمل المدن الذكية على تحسين استخدام الموارد، مثل الطاقة والمياه والنقل من خلال التكنولوجيا والبيانات، على سبيل المثال: يمكن لأنظمة النقل الذكية تحسين إدارة المرور، ويمكن للتكنولوجيا المستخدمة في المباني الذكية تقليل استهلاك الطاقة.
- السياسات البيئية المستدامة: تشجع المدن الذكية على اعتماد سياسات صديقة للبيئة وتنفيذها، مثل التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وإدارة النفايات، والحفاظ على المساحات الخضراء، مما يحسن جودة الحياة الحضرية ويساهم في حماية الموارد الطبيعية.
- خدمات أفضل: تساعد تكنولوجيا المدن الذكية على جعل الخدمات العامة أكثر فاعلية وسهولة في الوصول، على سبيل المثال: تسهل أنظمة الأمن الذكية الاستجابة لحالات الطوارئ، في حين تعزز الخدمات الرقمية في التعليم والصحة من جودة الخدمة المقدمة للسكان.
- التنمية الاقتصادية والابتكار: تدعم المدن الذكية التنمية الاقتصادية التي تركز على التكنولوجيا، كما تقدم الحلول المبتكرة والصناعات الذكية فرص عمل جديدة وفرصاً استثمارية، مما يدعم التنمية الحضرية.
- المشاركة المجتمعية والشفافية: تعزز المدن الذكية مشاركة المواطنين والشفافية من خلال المنصات الرقمية والتطبيقات التي تتيح للمواطنين المشاركة الفعالة في إدارة المدينة.
خامساً: بلدية إسطنبول الكبرى وحاويات إعادة التدوير الذكية
في اسطنبول، مالئة وشاغلة الناس، طورت إحدى الشركات حاويات إعادة تدوير ذكية لصالح بلدية إسطنبول بهدف الحد من التلوث البيئي، وفُعِّلت لخدمة المواطنين في بعض محطات قطار الأنفاق (المترو)، وللاستخدام في المدارس الابتدائية، والهدف من هذه المبادرة تعزيز ثقافة إعادة التدوير، وزرع قيم المسؤولية المجتمعية والوعي البيئي.
وستعالج الشركة المطورة (İSBAK) النفايات في منشآت حديثة، لتحويلها إلى موارد اقتصادية تعود بالفائدة على الاقتصاد، تستطيع الحاوية التعرف على زجاجات البلاستيك، التي تتراوح سعتها بين النصف وواحد ونصف لتر، وكذلك العبوات المعدنية التي تتراوح سعتها بين 200 – 500 مليلتر، وذلك باستخدام خوارزميات معالجة الصور ونظام قراءة الباركود، كما تتميز بقدرتها على تحديد الزجاجات المملوءة أو المواد غير القابلة لإعادة التدوير وإعادتها.
من خلال مستشعرات للعد تحسب كمية النفايات المودعة، ويضاف مقابلها مكافأة على بطاقة مخصصة لهذا الأمر، كما يرتبط نظام الحاوية بخادم مركزي عبر نظام التتبع عن بعد، مما يتيح مراقبة عدد النفايات المودعة، ونسبة الامتلاء، وغير ذلك من الخصائص، ووفقاً لرئيس بلدية إسطنبول: من خلال إعادة التدوير سيمنع العديد من الأشياء التي ستؤثر سلباً في الحياة في المستقبل، كما أنها ستقدم مساهمة اقتصادية كبيرة لإسطنبول وللبلاد.
كلمة أخيرة
في العقود الأخيرة أدى النمو السريع للسكان والتوسع الحضري على مستوى العالم إلى تأثيرات سلبية متعددة في البيئة الحضرية، ولمعالجة بعض هذه التأثرات وتحسين المناطق الحضرية بنحو مستدام، يلعب تصميم المدن الذكية وتخطيطها دوراً مهماً، حيث تهدف مبادرات المدن الذكية إلى دمج أحدث التقنيات والرؤى المستندة إلى البيانات مع المشاركة المجتمعية، بهدف استخدام الموارد الفعّال، وتعزيز جودة الحياة، وتقليل البصمة البيئية لمراكز المدن.
ويتشكل مستقبل المدن الذكية بقدرتها على التركيز على احتياجات الأجيال الجديدة، مما يقدم ميزة تنافسية للدول التي تستثمر في حلول حضرية ذكية، أما الحكومات المركزية والمحلية (البلديات) التي لا تستثمر في تقنيات الاتصال والمعلومات، فمن المرجح أن تتخلَّف في المنافسة على المدى البعيد.
تلعب المدن الذكية دوراً مهماً في دعم التنمية الحضرية، من خلال توفير أدوات تقنية ومبنية على البيانات، تسهم في بناء مدن أكثر استدامة وكفاءة وصالحة للعيش، ما يعزز التنمية الحضرية مع التركيز على الاستدامة البيئية والاجتماعية.
وفي الختام أدعوك صديقي القارئ إلى الحفاظ على مدينتك ما استطعت، ويأتي ذلك باتباع نظام عيش متكامل، فمثلاً قلل استهلاك للطاقة ما استطعت، وحافظ على موارد المياه واستخدمها بفاعلية، وليس من الضروري أن تركب سيارتك إلى كل مشوار قريب يمكنك الذهاب إليه مشياً، وهناك الدراجة الهوائية (البسكليت) والسكوتر، وليس هنا المقام لأبسط الحديث عن ممارسات أكثر في هذا الصدد، ولكن جوجل وراء شاشتك يجيبك عن هذا السؤال بكثير من الممارسات والأفعال والعادات، ولا تنسَ أن ديننا يحضنا على المحافظة على الأرض والبيئة وتنميتهما واستخدام مواردهما بفاعلية وكفاءة.

