الابتكار الاجتماعي
المتابعة والتقييم من أداة تشغيلية إلى ركيزة استراتيجية

مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 23

المتابعة والتقييم من أداة تشغيلية إلى ركيزة استراتيجية

تغيّر أداء المنظمات والمؤسسات التنموية في العقدين الماضيين، فلم يعد النجاح المؤسسي يُقاس بحجم الأنشطة المنفذة أو الموارد المصروفة فقط، بل أصبح يُقاس بمدى تحقيق الأثر الحقيقي على المستفيدين والمجتمع.

وفي هذا السياق برزت المتابعة والتقييم (Monitoring and Evaluation – M&E) أحد أهم الركائز المؤسسية التي تساعد المؤسسات على الانتقال من إدارة الأنشطة إلى إدارة النتائج.

بداية تطبيق المتابعة والتقييم، كان يُنظر له على أنه أداة تشغيلية تُستخدم لتجميع البيانات، وإعداد التقارير الدورية عن تقدم المشروعات، غير أن التجارب الدولية والتطورات في علم الإدارة العامة وإدارة البرامج أظهرت أن المتابعة والتقييم يمكن أن يؤدي دوراً أعمق بكثير، إذ يتحول إلى "ركيزة استراتيجية" تدعم اتخاذ القرار، وتحسّن كفاءة تخصيص الموارد، وتعزز المساءلة المؤسسية، وتدعم التعلم المؤسسي المستمر، عبر بناء نظام فعّال للمتابعة والتقييم لا يقتصر على تصميم مجموعة من المؤشرات، أو إعداد تقارير دورية، بل يتطلب إطاراً مؤسسياً متكاملاً يشمل الحوكمة والعمليات، والأدوات، والموارد البشرية، والتكنولوجيا، ولذلك أصبح مفهوم "النظام" في المتابعة والتقييم محوراً أساسياً في أدبيات إدارة التنمية وإدارة البرامج العامة.

يهدف هذا المقال إلى تحليل التحول المفاهيمي والعملي لنظام المتابعة والتقييم من كونه أداة تشغيلية إلى ركيزة استراتيجية متكاملة داخل المؤسسات. ويتناول المقال ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: عن المتابعة والتقييم

تُعرف المتابعة والتقييم على أنها مجموعة العمليات المنهجية التي تهدف إلى الجمع والتحليل والاستخدام للمعلومات المتعلقة بأداء البرامج والمشروعات من أجل تحسين تنفيذها وتحقيق أهدافها.

وفقاً لما ورد في كتاب Ten Steps to a Results-Based Monitoring and Evaluation System للمؤلفين Jody Zall Kusek وRay C. Rist، فإن المتابعة تشير إلى عملية جمع البيانات باستمرار عن تنفيذ الأنشطة والمؤشرات، ويشير التقييم إلى تحليل أعمق ومنهجي يهدف إلى فهم مدى فاعلية البرامج وتأثيرها واستدامتها.

أما في أدبيات تقييم البرامج مثل كتاب Evaluation: A Systematic Approach للمؤلفين Peter H. Rossi وMark W. Lipsey وGary T. Henry، فيُنظر إلى التقييم كونه عملية تحليلية منظمة تهدف إلى إصدار أحكام قائمة على الأدلة عن القيمة التي حققتها البرامج والمشروعات.

بناءً على ذلك فإن المتابعة والتقييم يمثلان عمليتين متكاملتين تهدفان إلى دعم الإدارة القائمة على النتائج.

وبعد التعرف إلى مفهومي المتابعة والتقييم، لا بد لنا من توضيح الفرق بين النظام والأداة في المتابعة والتقييم:

يشير Michael Quinn Patton في كتابه Utilization-Focused Evaluation إلى أن القيمة الحقيقية للتقييم لا تكمن في إنتاج التقارير، بل في استخدام نتائج التقييم في تحسين القرارات والسياسات، وهو ما لا يتحقق إلا بوجود نظام مؤسسي متكامل.

بالإضافة إلى أسباب أخرى تدفع المؤسسات إلى تبني نهج النظام بدل الاعتماد على الأدوات المنفصلة، أهمها:

  

ثانياً: مكونات نظام المتابعة والتقييم

لكي تتحول المتابعة والتقييم إلى نظام مؤسسي فعال، يجب أن تتضمن مجموعة من المكونات المتكاملة. وتشير الأدبيات الدولية، خصوصاً تقارير World Bank وUnited Nations Development Programme، إلى أن نظام المتابعة والتقييم M&E الفعال يجب أن يتكون من مكونات متكاملة تتمثل بـ:

 

  • يمثل الإطار المنطقي أساس نظام المتابعة والتقييم، فيحدد العلاقة بين: المدخلات، والأنشطة، والمخرجات، والنتائج، والأثر، عبر (نظرية التغيير Theory of Change) أو إطار النتائج. وهذا يساعد على:
  1. تحديد المؤشرات المناسبة
  2. ربط الأنشطة بالأهداف الاستراتيجية
  3. توضيح فرضيات التغيير
  • تحديد المؤشرات التي ستستخدم لمتابعة عملية التنفيذ، ومستوى التقدم نحو تحقيق النتائج عبر المخرجات، وتقييم النتائج والأثر الذي حققه المشروع. 
  1. تنقسم مؤشرات المتابعة عادة إلى: مؤشرات تتابع المدخلات، مثل حجم الموارد المالية، وعدد العاملين والمتطوعين في المشروع، ومؤشرات تتابع تنفيذ العمليات، مثل مستوى التقدم في تنفيذ الأنشطة بالنسبة للمخطط الزمني للمشروع، مدى الالتزام بميزانية المشروع، والمواصفات المتفق عليها مع العميل أو المانح.
  2. وتنقسم مؤشرات التقييم إلى: مؤشرات لقياس المخرجات، مثل عدد الأنشطة المنفذة، وعدد المستفيدين، ومؤشرات لتقييم النتائج، مثل تقييم التحسن في المستوى المعرفي، والتمكن من مهارة ما، وتحسن الوضع الصحي، بالإضافة إلى مؤشرات قياس الأثر، والتي تتعامل مع آثار ذات مدى متوسط بالنسبة للنتائج التي تكون ذات أثر آني أو قصيرة المدى، مثل الوصول لمجتمع من الأصحاء، والحصول على دخل إضافي بواسطة المهارة التي اكتسبت من البرنامج، ساهم في تحسن مستوى الدخل للأسرة.

وجميع المؤشرات السابقة يجب أن تكون مصممة وفق معايير "SMART": محددة Specific، قابلة للقياس Measurable، قابلة للتحقيق Achievable، ذات صلة Relevant، محددة زمنياً Time-bound.

  • إن جودة البيانات تعد عنصراً حاسماً، فضعف جودة البيانات يؤدي إلى نتائج غير صحيحة، وقرارات غير دقيقة، لذلك لا بد من وضع نظام متكامل لجمع البيانات، يؤطر عملية جمع البيانات بدءاً من: الأدوات، والمنهجيات، وإجراءات التحقق من جودة البيانات، وأخلاقيات جمع البيانات، ومصادر البيانات (السجلات الإدارية، المسوحات، الدراسات التقييمية، التقارير الحكومية وغير الحكومية).
  • يحتاج نظام المتابعة والتقييم إلى حوكمة مؤسسية تتمثل في هيكل حوكمة واضح يشمل:
  1. وحدة المتابعة والتقييم
  2. تحديد الأدوار والمسؤوليات
  3. سياسات استخدام البيانات
  4. آليات المساءلة

وجود وحدة متخصصة بإجراء العمليات ودراسات المتابعة والتقييم، وقياس الأثر يسهم في ضمان استقلالية التقييم، واعتماد منهجية/ منهجيات موحدة، بالإضافة إلى رفد المؤسسة بقدرات تعزز بناءها المؤسسي، ومخرجاتها المعرفية والتسويقية.

  • لا تكتمل فاعلية نظام المتابعة والتقييم إلا عند تفعيل الاعتماد على نتائج المتابعة والتقييم في:
  1. تحسين التخطيط
  2. تعديل البرامج
  3. اتخاذ القرارات التمويلية
  4. تعزيز الشفافية
 ثالثاً: مستويات النضج المؤسسي لأنظمة المتابعة والتقييم

لا تنتقل المؤسسات مباشرة إلى نظام متكامل للمتابعة والتقييم، بل تمر عادة بمستويات تطور تدريجية تعرف باسم "مستويات النضج المؤسسي لأنظمة المتابعة والتقييم"، وهذه المستويات:

المستوى الأول: المرحلة الأولية

في المرحلة الأولية لا يوجد نظام محدد للمتابعة والتقييم، بل تجمع البيانات بنحو غير منتظم، وتركز التقارير في هذا المستوى على الأنشطة فقط. ويتسم العمل في هذا المستوى بـ:

  • ضعف المؤشرات وسطحيتها
  • غياب قواعد البيانات التي يمكن اعتمادها لتخطيط المشروعات المستقبلية
  • الاعتماد على تقارير وصفية، لا تعطي الوصف الحقيقي لواقع المشروع ونتائجه

المستوى الثاني: مرحلة الامتثال

تبدأ المؤسسة في هذا المستوى بتطبيق بعض متطلبات المتابعة والتقييم استجابة لمتطلبات الجهات المانحة أو الجهات الداعمة، ويتسم هذا المستوى بـ:

  • وجود مؤشرات أساسية للمتابعة والتقييم تعتمد، إلى جانب مؤشرات ثانوية.
  • تقارير دورية تصدر لتتبع المشروع وتقييم نتائجه
  • استخدام البيانات الواردة من التقارير في تحسين الأداء وتخطيط المشروعات بنحو محدود

ولكن في هذا المستوى يبقى الأداء إجرائياً أكثر من كونه استراتيجياً.

المستوى الثالث: مرحلة الإدارة القائمة على النتائج

في هذا المستوى تصبح عمليات المتابعة والتقييم جزءاً من إدارة البرامج، والمشروعات، وتدخل في تفاصيلها، وأبرز سمات هذا المستوى:

  • وجود إطار نتائج واضح
  • وضع مؤشرات أداء بناء على الأهداف
  • استخدام البيانات في التنفيذ، ما يسهم في تحسين جودة الأداء وزيادة أثر النتائج

وفي هذا المستوى تبدأ المؤسسة بربط التمويل بالأداء عبر المشروعات.

المستوى الرابع: مرحلة التكامل المؤسسي

في هذا المستوى يصبح نظام المتابعة والتقييم جزءاً أصيلاً من البنية المؤسسية للإدارة، ويتسم بـ:

  • تكامل نظام المتابعة والتقييم مع التخطيط الاستراتيجي للمؤسسة
  • استخدام لوحات بيانات رقمية تلخص الإنجازات التي حققتها المشروعات والمؤسسة عموماً
  • مشاركة البيانات وإدارة المعرفة بين الإدارات
  • اعتماد القرارات الاستراتيجية أساساً على البيانات.

المستوى الخامس: مرحلة التعلم المؤسسي والتحول الاستراتيجي

يمثل هذا أعلى مستويات النضج المؤسسي لأنظمة المتابعة والتقييم، ويتسم هذا المستوى بما يلي:

  • يصبح نظام المتابعة والتقييم مصدراً للتعلم المؤسسي
  • تُستخدم البيانات الناتجة عن المتابعة والتقييم للتنبؤ بالأثر الذي يمكن أن تحققه المشروعات في المستقبل، واتخاذ القرارات بناء عليها
  • دمج التحليل المتقدم للبيانات في عمل المؤسسة والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يسهم في تحقيق رؤيتها ورسالتها على الوجه الأمثل

وخلاصة القول نجد أن:

التحول من استخدام أدوات متفرقة للمتابعة والتقييم إلى بناء نظام مؤسسي متكامل يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق إدارة فعالة قائمة على النتائج.

فالنظام لا يقتصر على جمع البيانات أو إعداد التقارير، بل يشكل إطاراً استراتيجياً يدعم اتخاذ القرار، ويعزز المساءلة، ويسهم في تحسين الأداء المؤسسي على المدى الطويل.

ولتحقيق هذا التحول يجب على المؤسسات الاستثمار في بناء المكونات الأساسية لنظام المتابعة والتقييم، ما يشمل تطوير الأطر المفاهيمية للنتائج، وتصميم مؤشرات أداء دقيقة، وإنشاء نظم متقدمة لإدارة البيانات، وتطوير القدرات البشرية المتخصصة في التقييم.

وإن فهم مستويات النضج المؤسسي يساعد المؤسسات على تقييم وضعها الحالي، وتحديد الخطوات اللازمة للانتقال إلى مستويات أعلى من التكامل والفاعلية، فالمؤسسات التي تنجح في دمج المتابعة والتقييم ضمن بنيتها الاستراتيجية تكون أكثر قدرة على تحقيق الأثر التنموي، وإدارة الموارد بكفاءة، والاستجابة للتحديات المستقبلية.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...