مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 17
النهج المتمركز حول الإنسان والكرامة الحضرية مجرد ابتكار أم واجب أخلاقي ضد تحيزات التخطيط الإسكاني
تمهيد: حول تحيزات التخطيط الإسكاني
في كثير من الأحيان تنعكس التحيزات المجتمعية، سواء كانت اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، بوضوح على التخطيط للإسكان، حيث تهمَّش الفئات الضعيفة، مثل الفقراء خصوصاً، وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين والمهاجرين، مما يؤدي إلى تصميمات حضرية لا تراعي احتياجاتهم، وتساهم في زيادة عدم المساواة.
بعبارة أخرى: إن التحيز الإسكاني هو مفهوم يشير إلى الانحرافات والتفضيلات، التي تتجلى في سياسات التخطيط والتطوير العمراني، مما يؤدي إلى تهميش فئات معينة من السكان بناء على عوامل مثل الوضع الاقتصادي أو الثقافة.
في العديد من الحالات يراعى سكان المناطق ذات الدخل المرتفع في القرارات التخطيطية، بينما تهمَّش الفئات الضعيفة، مما ينتج عنه أحياء سكنية تفتقر إلى البنية التحتية الضرورية والخدمات الأساسية، هذه الفجوات تعزز عدم المساواة الاجتماعية، وتساهم في استمرار حلقات الفقر والتهميش، من ثم تتطلب معالجة التحيزات الإسكانية تبني استراتيجيات تخطيط شاملة وعادلة، تراعي احتياجات جميع فئات المجتمع، مع التركيز على تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان بيئة حضرية متكافئة للجميع.
التحيزات وتأثيرها في عملية التخطيط للإسكان:
في عملية تخطيط الإسكان، قد تلعب التحيزات المجتمعية دوراً حاسماً في تشكيل المدن والمجتمعات، هذه التحيزات التي قد تكون اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، تؤثر كثيراً في كيفية توزيع الموارد، وتخصيص الأراضي، وتصميم المساحات الحضرية، من ثم -كما ذكرنا من قبل- عندما تتجاهل احتياجات الفئات الضعيفة، مثل الفقراء، والمهاجرين، وذوي الاحتياجات الخاصة، تصبح عملية التخطيط أداة لإعادة إنتاج الهياكل الاجتماعية القائمة على التمييز، مما يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة والتهميش.
ويمكن تلخيص عناصر التحيز في التخطيط الإسكاني على النحو التالي:
- الاستثمار غير المتوازن: غالباً ما تميل الجهات الممولة والمطورون العقاريون إلى توجيه الاستثمارات إلى المناطق التي يمكن أن تحقق عوائد مالية أعلى، مثل الأحياء الراقية والمناطق ذات الدخل المرتفع، هذا التحيز يؤدي إلى نقص في التمويل والتنمية في المناطق التي يقطنها الفقراء والفئات ذات الدخل المنخفض، مما يزيد من الفوارق في جودة الحياة بين مختلف المناطق الحضرية.
- إقصاء الفقراء من السوق السكني: بسبب تركيز السياسات على الربحية، غالباً ما تُصمَّم مشروعات الإسكان بأسعار لا تتناسب مع دخل الفئات الضعيفة، مما يؤدي إلى إقصائهم من الوصول إلى سكن لائق، هذا الوضع يخلق ما يوصف عادة بـ "الجزر السكنية"، حيث يتركز الفقر والتهميش في مناطق محددة، مما يعزز الانقسام الطبقي في المدينة.
- الفصل الطبقي المكاني: إقصاء الفقراء الذي ذكرناه في الأعلى يؤدي إلى التحيز الاجتماعي من خلال تصميم مساحات حضرية تتسم بالفصل الطبقي المكاني، حيث تُجمَّع الفئات الاجتماعية المختلفة في مناطق محددة، دون توفير روابط اتصال فعالة بين هذه المناطق. هذا الفصل يعزز التوترات الاجتماعية، ويحد من فرص التفاعل بين مختلف الفئات الاجتماعية.
- التجاهل الثقافي: قد تؤدي التحيزات الثقافية إلى تصميم مشروعات إسكانية لا تعكس الاحتياجات الثقافية أو الدينية للسكان، على سبيل المثال: قد تتجاهل أهمية المساحات المخصصة للمناسبات الاجتماعية، مما يجعل هذه المشروعات غير ملائمة لبعض الفئات الثقافية.
- تصميمات غير متكيفة: كامتداد للتحيز السابق نجد أنه عندما لا تراعي عملية التخطيط التنوع الثقافي للفئات المهمشة، يمكن أن ينتج عن ذلك تصميمات غير متكيفة مع أنماط الحياة المختلفة، مثلاً: قد تصمم المنازل والشقق بطرق لا تتوافق مع عادات الطبخ أو التجمع الأسري التي تختلف بين الثقافات، مما يجعل هذه المساكن غير مريحة أو غير عملية للمقيمين.
العواقب الطويلة الأمد للتحيزات في التخطيط الحضري
لا تتجلى آثار التحيزات في مستوى المشروعات الإسكانية فقط، بل تأخذ أبعاداً اجتماعية واسعة على المدى الطويل، ومن أهم هذه العواقب طويلة المدى:
- التهميش الاجتماعي: يؤدي التحيز في التخطيط الحضري إلى تهميش اجتماعي طويل الأمد، حيث تجد الفئات الضعيفة نفسها معزولة في مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية، مثل: المدارس، والمستشفيات، أو وسائل النقل العام، هذا التهميش يقلل من فرص هذه الفئات في الوصول إلى فرص العمل والتعليم، مما يساهم في ديمومة الفقر.
- إعادة إنتاج الفقر: من خلال تعزيز الفوارق المكانية، الذي تطرقنا إليه أعلاه، يساهم التحيز في التخطيط الحضري في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، حيث إن الأحياء التي تفتقر إلى الاستثمارات والخدمات تصبح مراكز للفقر المزمن، حيث يجد سكانها صعوبة في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
- زيادة الفوارق الصحية: نتيجة للتخطيط غير العادل، غالباً ما يعيش الفقراء والمهمشون في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية الصحية، أو تكون قريبة من مصادر التلوث، هذا الأمر يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمراض والمشكلات الصحية في هذه المناطق، مما يفاقم من عدم المساواة الصحية.
التمركز حول الإنسان كأداة لمواجهة التحيزات:
قبل البدء بالحديث عن النهج المتمركز حول الإنسان يجدر التنويه للقارئ حول نقطة مهمة عنه وهي أنه في ضوء النقاشات اللاحقة حول التمركز حول الإنسان في التخطيط الإسكاني، قد يبدو للقارئ للوهلة الأولى أن هذا النهج يمثل تقدماً أخلاقياً يضع الإنسان في مركز الاهتمام. ومع ذلك يجب على القارئ أن يدرك بأنني لا أتبنى مفهوم التمركز حول الإنسان بوجه أعمى ودون مساءلة، بل يجب أن نتوقف ونتأمل في الجذور الفلسفية لهذا النهج، في جوهره -وإن لم يكن بطريقة مباشرة- يبرر مفهوم التمركز حول الإنسان فكر ما بعد الحداثة بطريقة أو أخرى، ذلك الفكر ما بعد الحداثي الذي تفكك فيه مفهوم الإنسان التقليدي، ليصبح الإنسان مجرد امتداد للطبيعة، هذا التفتيت للإنسان، الذي بدأ بفصل الإنسان عن هويته المتكاملة، ينتهي بتحويله إلى كيان مادي مستهلك في عصر السيولة، حيث يصبح التركيز على الإنسان فعلياً تمركزاً حول إنسان مقطع الأوصال، تهيمن عليه النزعات الاستهلاكية والمادية.
في هذا السياق يصبح من الضروري أن نسأل: هل التمركز حول الإنسان في هذا الإطار هو بالفعل تمركز حول الإنسانية، أم أنه مجرد تعزيز للإنسان الذي فتِّت واستُهلِك في مجالات متعددة؟ هل نحن حقاً نضع الإنسان في مركز الاهتمام، أم أننا نعزز فقط الجوانب المادية والاستهلاكية لهذا الإنسان الذي فقد تماسكه الأصلي؟ هذه الأسئلة تدعونا إلى إعادة تقييم الأسس الفلسفية التي يقوم عليها هذا النهج، والنظر في كيفية تأثيرها في فهمنا للإنسانية في تخطيط الإسكان الحديث. باختصار إدراكي العميق للجذور الفلسفية للتمركز حول الإنسان يجعلني أتعامل مع هذا المفهوم بحذر وتحفظ، إنني لا أستخدم التمركز حول الإنسان إلا أداة لتحقيق مصالح الإنسان الفعلية والملموسة، وليس إطاراً فلسفياً مجرداً يدعي أنه يهتم بالإنسان، وهو في الحقيقة يعزز تصورات ما بعد الحداثة، التي فتتت الإنسان من أصله.
فأنا عندما أتحدث عن التمركز حول الإنسان، فإنني أشير إلى الحاجة لإعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام بطريقة تعزز كرامته ووحدته كونه كائناً مسؤولاً وخليفة على الأرض، بعيداً عن التفتيت والاختزال الذي يطرحه الفكر ما بعد الحداثي. بهذا المعنى أرى أن التركيز على مصلحة الإنسان هو الغاية الحقيقية، وليس مجرد التمسك بشعارات فلسفية قد لا تخدم الإنسان في جوهره. بعبارة أخرى: التمركز حول الإنسان بالنسبة لي ليس تمركزاً حول الإنسان كما صوره الفكر ما بعد الحداثي -كائن مجزأ ومستهلك- بل هو تمركز حول الإنسان كونه كياناً متكاملاً، يحمل في طياته قيمه الإنسانية واحتياجاته الحقيقية واستخلافه في الأرض.
تتجلى أهمية التخطيط للإسكان من خلال منهج التمركز حول الإنسان في مواجهة التحيزات المجتمعية، إذ تعد عملية التخطيط للإسكان من أهم المجالات التي تؤثر في جودة حياة الأفراد والمجتمعات، ولضمان تحقيق العدالة والشمولية في هذه العملية، يغدو من الضروري تبني منهج التمركز حول الإنسان، الذي يضع احتياجات جميع الفئات السكانية وآمالها في قلب عملية التخطيط، إذ يتميز هذا المنهج بالتركيز على الإنسان بوصفه عنصراً رئيسياً في صياغة السياسات والقرارات المتعلقة بالإسكان، مما يعزز القدرة على التصدي للتحيزات المجتمعية، التي قد تؤدي إلى تهميش بعض الطبقات الاجتماعية.
ذلك أن منهج التمركز حول الإنسان يسعى إلى مواجهة هذه التحيزات، من خلال إشراك جميع الفئات في عملية التخطيط، وضمان أن تكون السياسات العمرانية شاملة وعادلة.
من خلال هذا النهج يمكن إحياء المبادئ الأساسية التالية:
- الشمولية: التركيز على إشراك جميع الفئات السكانية في عملية التخطيط، بما في ذلك تلك التي عادة ما تكون مستبعدة من هذه العملية، هذا يشمل الفقراء، وغير المتعلمين، والأشخاص ذوي الإعاقة.
- الاستدامة: أن تكون السياسات العمرانية ليس فقط متوافقة مع احتياجات الأجيال الحالية، ولكن أيضاً تأخذ في الحسبان احتياجات الأجيال القادمة.
- التكيف: الأخذ في الحسبان التغيرات المجتمعية والاقتصادية المستمرة، مما يسمح بتطوير سياسات مرنة، يمكن تعديلها وفقاً للاحتياجات المتغيرة للمجتمع.
تطبيقات عملية لمنهج التمركز حول الإنسان في التخطيط الإسكاني:
عند تطبيق هذا المنهج يجب على المخططين الحضريين تبني ممارسات تصميم تشاركية، حيث يدعى سكان المناطق المستهدفة للتعبير عن آرائهم واحتياجاتهم، علاوة على ذلك ينبغي استخدام البيانات المجتمعية، لتحديد الفئات الأكثر تضرراً، وضمان تلبية احتياجاتهم بنحو فعال، كما يتطلب هذا النهج من الجهات المعنية بعملية التخطيط العمل بأسلوب وثيق مع منظمات المجتمع المدني، لتحديد الأولويات وضمان أن تكون الأصوات المهمشة جزءاً لا يتجزأ من عملية صنع القرار.
ولتجنب التحيزات الثقافية منها والاقتصادية وأيضاً الاجتماعية في تصميم المشروعات الإسكانية، يمكن لمصممي هذه المشروعات اتخاذ عدة إجراءات تضمن شمولية التصميم واحترام الثقافات والأفراد المهمشين، من بين هذه الإجراءات:
- التصميم التشاركي: إشراك المجتمع المحلي في عملية التصميم منذ البداية، من خلال ورش عمل واجتماعات استماع، يتيح هذا النهج للسكان التعبير عن احتياجاتهم وتوقعاتهم، مما يقلل من احتمال تجاهل شرائح اجتماعية ما، ويقلل من تجاهل الثقافات المختلفة.
- البحث الثقافي المتعمق: على المصممين إجراء بحث شامل لفهم الخلفيات الثقافية للسكان المستهدفين، يشمل ذلك دراسة العادات، والتقاليد، وأنماط الحياة المختلفة، التي قد تؤثر في استخدام المساحات السكنية.
- إدراج متطلبات التنوع الاجتماعي والثقافي ضمن الشروط المرجعية: بناء على البند السابق أعلاه يجب أن تتضمن الشروط المرجعية للمشروعات الإسكانية معايير تلزم المصممين بمراعاة التنوع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، مع تقديم دليل علمي يدعم كل قرار تصميمي.
- إشراك المنظمات المحلية: التعاون مع منظمات المجتمع المدني، التي تمثل هذه الثقافات، لضمان أن تكون أصواتهم مسموعة واحتياجاتهم ملباة.
- تحليل البيانات المجتمعية: استخدام البيانات السكانية والمجتمعية، لتحديد الفئات المهمشة، وضمان أن تكون التصاميم تلبي احتياجاتهم بنحو فعال.
- التصميم المتكيف مع الثقافة: تصميم المساحات السكنية لتكون مرنة وقابلة للتكيف مع الاحتياجات المختلفة للثقافات المهمشة، يشمل ذلك توفير مساحات يمكن تعديلها بسهولة، لتتناسب مع العادات الثقافية المختلفة.
- تحليل الأثر الاجتماعي: قبل تنفيذ أي مشروع سكني، يجب إجراء تحليل شامل للأثر الاجتماعي للتأكد من أن المشروع لن يؤدي إلى زيادة التهميش أو عدم المساواة.
- التعاون مع مؤسسات أكاديمية: العمل بالتعاون مع كليات العمارة والتخطيط الحضري والعلوم الاجتماعية في الجامعات، لإجراء بحوث تطبيقية تُسهم في إثراء قرارات لجان التخطيط الإسكاني.
- تطوير نماذج تحليلية متقدمة: تبني نماذج تحليلية تعتمد على البيانات الضخمة (Big Data) والمعلومات الجغرافية (Geographic information system= GIS) لفهم التأثيرات المحتملة للتصميمات المختلفة في المجتمعات المهمشة، تساعد هذه الأدوات على تقديم توقعات دقيقة حول تأثيرات السياسات والتصميمات في التنوع الاجتماعي والثقافي.
- تصميم النماذج الأولية: ويجدر القول: إن هذه الآلية مستلهمة من التفكير التصميمي، إذ تستخدم نماذج محاكاة تظهر كيف يمكن للتصاميم أن تؤثر في السلوك الاجتماعي بكل أطيافه، والتفاعل الثقافي في البيئة الحضرية.
- تنظيم مؤتمرات أكاديمية: استضافة مؤتمرات وندوات أكاديمية تجمع بين الباحثين والممارسين، لمناقشة آخر التطورات في التصميم الحضري والثقافة، مع التركيز على كيفية تجنب التحيزات الثقافية في المشروعات الإسكانية.
- تطوير مؤشرات أداء إجتماعية وثقافية key performance indicator=KPI: تصميم مؤشرات أداء رئيسية تقيس مدى احترام التصاميم للتنوع الثقافي، مثل: مدى ملاءمة المساحات العامة للأنشطة الثقافية المختلفة، أو مدى رضا السكان من خلفيات متنوعة عن تصميم المشروع.
- نشر الأبحاث والدراسات: تشجيع نشر الأبحاث والدراسات حول تأثيرات التصميم الحضري في التنوع الثقافي في مجلات علمية محكمة، مما يعزز من وعي أعضاء اللجنة ويثري عملية اتخاذ القرار.
- تقارير تقييم دورية: إعداد تقارير تقييم دورية تقدم للجنة الإسكان وتعرض الأداء بناء على مؤشرات الأداء الرئيسية، مع توصيات محددة للتحسين بناء على النتائج.
- مراجعة أكاديمية متعددة المراحل: اعتماد نهج مراجعة متعدد المراحل، يتضمن استعراض التصاميم من قبل خبراء مستقلين في الثقافة والاجتماع والتصميم الحضري قبل الموافقة النهائية، يجب أن تتضمن المراجعة تحليلاً دقيقاً لتأثير التصاميم في التنوع الثقافي وإمكانية التحيز.
- برامج تدريبية متقدمة: تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية لأعضاء اللجنة حول التحيزات الثقافية وآثارها في التصميم الحضري، يشرف عليها أكاديميون وخبراء في مجالات الأنثروبولوجيا المعمارية والدراسات الثقافية.
- زيارات ميدانية: تنظيم زيارات ميدانية لمشروعات إسكانية قائمة، بهدف دراسة تأثير التصاميم المختلفة في المجتمعات المتنوعة، واستخلاص الدروس المستفادة لتطبيقها في التخطيط المستقبلي.
- وضع سياسات إسكانية شاملة: تطوير سياسات تخطيط تراعي الاحتياجات المختلفة لجميع الفئات، مع ضمان توفير إسكان ميسر للفئات الضعيفة.
- الاستثمار المتوازن في البنية التحتية: توجيه الاستثمارات إلى المناطق المهمشة وتطوير الخدمات والبنية التحتية فيها، لرفع مستوى المعيشة وتقليل الفوارق الاجتماعية.
في الختام يمثل النهج المتمركز حول الإنسان في التخطيط الإسكاني ركيزة أساسية، تتجاوز كونه مجرد وسيلة للابتكار أو تحسين الرفاهية، إنه في جوهره التزام أخلاقي يعكس إدراكاً عميقاً لتعقيدات التحيزات، التي يمكن أن تتسلل إلى عملية التخطيط الحضري. من منظور أكاديمي، يشير هذا النهج إلى أهمية فهم العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكل حياة الأفراد والجماعات، بحيث تصمم البيئة الحضرية لتكون مستجيبة وحساسة لهذه الاحتياجات والتطلعات.
الأدبيات الأكاديمية تشير بوضوح إلى أن التحيزات في التخطيط الحضري ليست مجرد نتاج لأخطاء فردية، بل هي جزء من هياكل اجتماعية أوسع، يمكن أن تعيد إنتاج عدم المساواة، على سبيل المثال: تشير نظريات، مثل "التقسيم المكاني" (Spatial Segregation) إلى أن التحيزات قد تؤدي إلى عزل فئات معينة في مناطق جغرافية محددة، مما يعزز من تهميشها بمرور الوقت، في هذا السياق يصبح النهج المتمركز حول الإنسان أداة حاسمة لمواجهة هذه الديناميكيات، حيث يضمن أن تكون احتياجات جميع الأفراد في قلب عملية التخطيط، مما يتيح لهم الفرصة للمشاركة الفاعلة في المجتمع.
علاوة على ذلك يشير النهج المتمركز حول الإنسان إلى مفهوم "الكرامة الحضرية" (Urban Dignity)، حيث يجب أن يعكس التخطيط الإسكاني الاحترام الكامل للكرامة الإنسانية، يتطلب هذا النهج أن ينظر إلى الأفراد ليس مجرد مستفيدين من التصميم الحضري، ولكن أصحاب حق يجب أن تؤخذ أصواتهم وتجاربهم على محمل الجد. إن هذا النهج يؤدي إلى بيئات حضرية أكثر استدامة واستجابة للتغيرات الاجتماعية، حيث يصبح التخطيط عملية تشاركية تضمن عدم إقصاء أو تهميش أي فرد بناء على خلفيته الاجتماعية أو الثقافية.
الأدبيات المتعلقة بـ "التصميم الشامل" (Inclusive Design) تدعم هذا الطرح، حيث تؤكد على أهمية تصميم بيئات تستوعب التنوع البشري بجميع أبعاده، في هذا السياق يعد النهج المتمركز حول الإنسان وسيلة فعالة لتحقيق "التعددية الحضرية" (Urban Pluralism)، حيث يُحتضَن التنوع الثقافي والاجتماعي كونه جزءاً لا يتجزأ من الحياة الحضرية، تساهم هذه الفلسفة في تقليل الفجوات بين الأفراد، من خلال ضمان أن تكون البيئات الحضرية مرنة ومتكيفة مع احتياجات الجميع.
من ثم يجب أن يفهم النهج المتمركز حول الإنسان في التخطيط الإسكاني ليس فقط كونه أداة لتطوير بيئات مادية، بل إطار عمل يعكس التزاماً عميقاً بأخلاقيات عدم التحيز ضد الطبقات المهمشة، إن الفشل في تبني هذا النهج كونه ضرورة أخلاقية يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التحيزات والتهميش، مما يخلق بيئات حضرية تفتقر إلى العدالة والكرامة، لذلك يعد هذا النهج جوهرياً في صياغة سياسات إسكانية تعكس ليس فقط احتياجات الأفراد، ولكن أيضاً قيمهم وكرامتهم الإنسانية، مما يعزز من تماسك المجتمع واستدامته على المدى الطويل.

