مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 22
الشمول المالي للفئات الأقل حظاً ن الاستبعاد الاجتماعي إلى التمكين
مقدمة:
لقد أصبح الشمول المالي من الاستراتيجيات المهمة لتحقيق التنمية في المجتمعات في العديد من دول العالم، ونظراً لأهميته ودوره فقد أنشئت الشراكة العالمية من أجل الشمول المالي (Global Partnership for Financial Inclusion) عام 2010 في قمة مجموعة العشرين، التي انعقدت بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول، كمنصة شاملة لدول مجموعة العشرين، والدول المهتمة من خارج مجموعة العشرين، والشركاء المنفذين والتابعين. وتلتزم الشراكة العالمية للشمول المالي بالعمل على الارتقاء بواقع الشمول المالي عالمياً عن طريق تعزيز جودة الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية المستدامة واستخدامها، ثم توسعة الفرص المتاحة للأسر والمشروعات الأقل حظاً والمستبعدة، وذلك وسيلة لضمان السلامة المالية لدعم الإنتاجية والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ تسعى الشراكة العالمية للشمول المالي إلى تحقيق عدد من الأهداف الرئيسية خلال المدة المستقبلية بين عامي 2024 و2026. وتتمثل تلك الأهداف في الآتي:
- دعم الشمول المالي عن طريق تحليل السياسات، واقتراح المبادئ عالية المستوى (العامة) والتوصيات، وتشارك الخبرات والنماذج والحلول الناجحة.
- مراقبة تقدم الشمول المالي ومناصرة تعزيز الشمول المالي عالمياً، وذلك بواسطة وسائل مثل الاستخدام الابتكاري والمسؤول للتكنولوجيا الرقمية القابلة للتوسع.
- تيسير التنسيق بين الدول الأعضاء في الشراكة العالمية للشمول المالي والجهات العالمية، وذلك لدعم جهود الشمول المالي العالمية المحددة في دول مجموعة العشرين وغيرها من الدول، وذلك مع تعزيز بناء القدرات وتدخلات المساندة الفنية.
- العمل مع الجهات الواضعة للمعايير من أجل تشجيعها على إدراج الشمول المالي ضمن جداول عملها.
وذلك أن الشمول المالي يحقق منافع كبيرة لفئات المجتمع الأقل حظاً في العديد من الدول، ويسعى صانعو السياسات في العديد من الدول إلى تبني الشمول المالي كونه ركيزة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، وحلاً لمعالجة مشكلة ارتفاع معدلات الفقر.
وكذلك يساهم الشمول المالي في معالجة ظاهرة الاستبعاد الاجتماعي، إذ إن الشمول المالي وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، ومصدر لتعزيز الحراك الاجتماعي للفقراء والفئات المهمشة والمستبعدة في المجتمعات، وبخاصة الدول النامية. ويعد الفرد أو الأسرة من المشمولين مالياً إذا تمتعوا بإمكانية الوصول إلى الخدمات المالية، مثل الائتمان والادخار والتأمين والدفع.
ويساهم التمكين في حد ذاته في نقل الأفراد من حالة الاستبعاد إلى حالة الشمول الاجتماعي والمالي، فالتمكين مرتبط بتزويد الأفراد بقدر أكبر من إمكانية الوصول إلى المعرفة والموارد ودعم الاستقلالية واتخاذ القرارات. بمعنى آخر: إن التمكين يساهم في تحرير الأفراد من القيود المفروضة عليهم من العادات والمعتقدات والممارسات السائدة في المجتمع، وتساهم صور التمكين في تعزيز الوعي حول برامج التنمية القائمة التي يمكنهم الاستفادة منها، كما أنها تساعد الأفراد على تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحسين حالتهم الاجتماعية.
مفهوم الشمول المالي:
وفقاً للبنك الدولي فإن الشمول المالي هو تمتع الأفراد والمشروعات بإمكانية الوصول إلى المنتجات والخدمات المالية المفيدة وميسورة التكلفة التي تلبي احتياجاتهم، والمقدمة لهم على نحو مسؤول ومستدام.
ويعرف صندوق النقد الدولي الشمول المالي على أنه الوصول إلى الخدمات المالية واستخدامها بواسطة الأسر والشركات.
أما بنك التنمية الآسيوي فهو يعرف الشمول المالي على أنه تقديم مجموعة واسعة من الخدمات المالية (مثل الإيداعات والقروض وخدمات الدفع والتأمين) للأسر الفقيرة ومحدودة الدخل والمشروعات متناهية الصغر.
أما الشراكة العالمية من أجل الشمول المالي فهي تعرف الشمول على أنه الوصول إلى المنتجات والخدمات المالية واستخدام بصورة طوعية وبمحض الإرادة، وتتبنى الشراكة أيضاً تعريفاً خاصاً بالشمول المالي الرقمي، وهو أنه استخدام الخدمات المالية الرقمية لتعزيز الشمول المالي، وهو يتضمن نشر الوسائل الرقمية للوصول إلى المجتمعات المستبعدة والأقل حظاً مالياً بمجموعة واسعة من الخدمات المالية الرسمية المناسبة لاحتياجات تلك الفئات، والمقدمة على نحو مسؤول بتكلفة ميسورة للعملاء، وأيضاً على نحو مستدام للمزودين.
أهمية الشمول المالي:
يعد الشمول المالي عاملاً معززاً للشمول في النمو، والتنمية الاقتصادية، إذ يساعد الشمول المالي على تعزيز سهولة وصول الفقراء إلى الخدمات المالية، والحد من الفقر، والتقليل من التفاوت في الدخل. ويرتبط مجرد امتلاك حساب مصرفي بعدد من الآثار الإيجابية على المستفيدين، مثل زيادة الادخار، وتمكين النساء، ورفع مستويات الاستثمار الإنتاجي، لذلك فقد سعى صانعو السياسات إلى تحقيق الشمول المالي بوصفه هدفاً تنموياً مهماً ورئيسياً، وذلك مع إجماع جميع قادة دول مجموعة العشرين على اتخاذه من الدعائم الرئيسية لجدول التنمية العالمية. وعليه فإن هناك أربعة أسباب رئيسية لزيادة الاهتمام العالمي بالشمول المالي، وهي كالآتي:
- يعد الشمول المالي من الاستراتيجيات الرئيسية المستخدمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
- يساعد الشمول المالي على الارتقاء بمستويات الشمول الاجتماعي في العديد من المجتمعات.
- يمكن للشمول المالي المساهمة في تخفيض مستويات الفقر في العديد من المجتمعات.
- يمكن للشمول المالي توليد العديد من المنافع الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.
أهداف الشمول المالي:
ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة، تتضمن الأهداف الرئيسية للشمول المالي الآتي:
- تيسير الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية بتكلفة ميسورة لجميع الأسر والمشروعات. وينبغي أن تكون تلك الخدمات مقبولة لدى المصارف، وتتضمن تلك الخدمات الادخار، والائتمان قصير الأجل وطويل الأجل، والتأجير التمويلي، والرهن العقاري، والتأمين، والرواتب التقاعدية، والمدفوعات، والحوالات المالية المحلية، والحوالات المالية الدولية.
- إنشاء مؤسسات متينة موجهة بواسطة كل من نظم إدارة داخلية جيدة، ومعايير أداء معتمدة، ورقابة على الأداء بواسطة السوق.
- تحقيق الاستدامة المالية والمؤسسية وسيلة لتوفير إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية بصورة مستمرة.
- إيجاد مزودين متعددين للخدمات المالية (عند الإمكان) وذلك من أجل إيجاد بدائل تتسم بالتنوع والكفاءة من حيث التكلفة.
التمكين وسياق الشمول المالي للفئات الأقل حظاً:
يكتسب الشمول المالي أهمية بالغة كونه وسيلة لتمكين الفئات الأقل حظاً، فقد أصبح هناك إجماع على نطاق واسع حول كون الشمول المالي وسيلة أساسية للحد من التفاوت في الدخل والفقر، وقد ثبت بأن تحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية يؤدي إلى تحقيق النفع للفئات الأقل حظاً، وذلك بتعزيز قدرة تلك الفئات على ترشيد الاستهلاك والتعامل مع الضغوط المالية، وأيضاً بتعزيز أمانها المالي وجودة حياتها على المدى الطويل.
ويساهم التمكين في حد ذاته في نقل الأفراد من حالة الاستبعاد إلى حالة الشمول الاجتماعي والمالي، فالتمكين مرتبط بتزويد الأفراد بقدر أكبر من إمكانية الوصول إلى المعرفة والموارد ودعم الاستقلالية واتخاذ القرارات. بمعنى آخر: فإن التمكين يساهم في تحرير الأفراد من القيود المفروضة عليهم من العادات والمعتقدات والممارسات السائدة في المجتمع. وتساهم صور التمكين في تعزيز الوعي حول برامج التنمية القائمة التي يمكنهم الاستفادة منها، كما أنها تساعد الأفراد على تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحسين حالتهم الاجتماعية.
ويتسم التمكين بعدد من الخصائص التي تجعله وثيق الصلة بالشمول ومعالجة مظاهر الاستبعاد الاجتماعي والمالي في المجتمع. وتتضمن تلك الخصائص الآتي:
- يتسم التمكين بأنه ذو طبيعة عملياتية مترابطة، وأنه ينطوي على الانتقال تدريجياً نحو الوصول إلى درجة أعلى من التمكين. وعندما يتمتع الفرد بقدر أعلى من التمكين، فإن ذلك يعني الانتقال والتقدم من حالة الحرمان من القدرة على اتخاذ القرارات إلى اكتساب تلك القدرة.
- يتسم التمكين بطبيعية قائمة على الوكالة، أي: إن الفرد المتمتع بالتمكين يتحكم في عملياته الشخصية، وإذا كان المستفيد من التمكين مجتمعاً فإنه يتمتع بالتحكم والسيطرة على العمليات المجتمعية.
- يتسم التمكين بتعدد الأبعاد، وتتنوع مستويات تلك الأبعاد، مثل المستويات الفردية والتنظيمية والمجتمعية، كما تتعدد أيضاً مجالات التمكين، مثل المجالات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومن الملاحظ من هذه الخصائص بأن التمكين مرتبط بتدعيم قدرة الأفراد على اتخاذ القرارات المؤثرة في حياتهم والتحكم في أمورهم الشخصية، وبذلك فإن التمكين يجعل الفرد أكثر قدرة على اتخاذ القرارات وإدارة أموره الشخصية على النحو الذي يمكنه من تحقيق استفادة فعلية من مبادرات الشمول المالي، ومن ثم التمتع بدرجة أعلى من الشمول الاجتماعي.
ومن الأمثلة التي توضح العلاقة بين التمكين من ناحية والشمول المالي والاجتماعي من ناحية أخرى مبادرات التمويل المصغر، فالشمول المالي الذي تتيحه تلك المبادرات ليس كافياً لكي يتمكن العملاء من الاستفادة منه، بل من المهم تمتعهم أيضاً ببعض صور التمكين حتى يتمكنوا من تحقيق الاستفادة المنشودة. ومن أهم صور التمكين في مثل تلك المبادرات برامج التدريب التي تُكسِب العملاء قدرات التعامل والتكيف مع التحديات الحياتية. وبهذا التمكين يستطيع المستفيدون الانخراط والمشاركة في عمليات اتخاذ القرار المؤثرة في حياتهم، من ذلك القرارات المتعلقة بكيفية الاستفادة من مزايا الشمول المالي المتاحة في مبادرات التمويل المصغر.
مؤشرات قياس الشمول المالي:
تعد مؤشرات الشمول المالي المتبناة من الشراكة العالمية من أجل الشمول المالي من أهم المؤشرات المستخدمة لقياس الشمول المالي وأكثرها اتساعاً وشمولية. وتتميز تلك المؤشرات بأنها مستمدة من مزيج من المؤشرات الموضوعة والمستمدة بواسطة عدة مؤسسات عالمية بارزة مهتمة بالشمول المالي، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث تتميز هذه المؤشرات بالتنوع، وهي على النحو الآتي:
1. مؤشرات الاستخدام: البالغون:
- البالغون الممتلكون للحسابات.
- عدد الحسابات.
- البالغون المستفيدون من الائتمان لدى مؤسسات خاضعة للتنظيم.
- البالغون المستفيدون من التأمين.
- المعاملات المالية عبر استخدام وسائل التقنية الحديثة.
- الادخار.
2. مؤشرات الاستخدام: المشروعات، وتقيس:
-المشروعات التي تمتلك حسابات مصرفية بصورة رسمية.
-المشروعات التي لها قرض قائم أو تسهيلات ائتمانية لدى مؤسسات خاضعة للتنظيم.
-عمليات الدفع الرقمية من المشروعات أو إليها.
3. مؤشرات الوصول: نقاط الخدمة المادية، وتقيس:
- امتلاك بطاقات الخصم.
- نقاط الخدمة الخاصة بالمشروعات.
- القابلية للعمل البيني بين نقاط الخدمة.
4. مؤشرات الجودة: الثقافة والقدرة المالية، وتقيس:
- المعرفة المالية.
- السلوك المالي.
5. مؤشرات الجودة: سلوك السوق وحماية المستهلك، وتقيس:
- متطلبات الإفصاح.
- آليات ولوائح للحماية.
6. مؤشرات الجودة: عوائق الاستخدام:
- عوائق الائتمان.
تجربة السعودية وبريطانيا في مجال الشمول المالي:
تجربة المملكة العربية السعودية:
يعد الشمول المالي من القضايا المرتبطة برؤية التنمية في المملكة العربية السعودية، فقد وضعت رؤية 2030 ضمن أولوياتها تقوية القطاع المالي بالمملكة ليتحول إلى اقتصاد متنوع وفعال، وذلك في سبيل تشجيع الاستثمار والادخار والتمويل وتحديث القطاع المالي. وفي هذا الصدد بذل مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية جهوداً عديدة لتحقيق أهداف رؤية 2030 والمتعلقة بـ"تعزيز التخطيط المالي وتمكينه"، والتي من أهمها تسهيل التعاملات الإلكترونية لنشاطات التمويل، مما يعزز تحويل قطاع التمويل إلى قطاع مالي ذكي، يسهم في تحسين إجراءات منح التمويل، مما يضمن الاستخدام الفعال والكفء للموارد، وتعزيز ثقافة الشمول المالي.
وتقدم المملكة العربية السعودية العديد من الخدمات لتحقيق الشمول المالي، ومن المبادرات البارزة التي تبنتها المملكة لتحقيق ذلك إطلاق برنامج تطوير القطاع المالي 2020 من مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بهدف تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 ذات الصلة بالشمول المالي، مثل هدف "تعزيز وتمكين التخطيط المالي"، فقد أثمرت العديد من الإصلاحات ارتفاع نسبة الشمول المالي بنحو متسارع من 71% في نهاية عام 2019م إلى 83% في الربع الثالث من 2021م، وزيادة التحول نحو الدعم والتمويل لأصول الإنتاجية التمويلية، مثل زيادة حجم الحصص المخصصة في التمويل المصرفي لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة، وتمويل الرهن العقاري. ومن الركائز الرئيسية لهذا البرنامج فكرة "تعزيز وتمكين التخطيط المالي". ويندرج تحت هذه الركيزة الأهداف الآتية:
- التحفيز والدعم للطلب المستدام على خطط الادخار.
- الدفع باتجاه التوسع في منتجات الادخار والقنوات المتاحة في السوق.
- تحسين منظومة الادخار وتقويتها.
- تعزيز الثقافة المالية.
الخدمات والمنتجات المقدمة للفئات الأقل حظاً مالياً في المملكة العربية السعودية:
تتضمن منظومة الشمول المالي بالمملكة العربية السعودية والقائمة على برنامج تطوير القطاع المالي 2020 تطبيق مبادرتين أساسيتين وهما "إنشاء كيان وطني للادخار يقدم منتجات ادخارية مدعومة من الحكومة" و"إنشاء كيان تثقيف مالي متخصص". وبالإضافة إلى هاتين المبادرتين الأساسيتين، تضمن برنامج تطوير القطاع المالي 2020 سبع مبادرات فرعية، وهي كالآتي:
- تطوير منتج مخصص: خطة الادخار الخاصة بملكية المنازل.
- تطوير منتج مخصص: مخطط الادخار من أجل التعليم.
- توزيع برامج استثمار جماعي عن طريق جهات أخرى غير الأشخاص المرخص لهم.
- تطوير منتجات مصممة خصوصاً للفئات ذات الدخل المنخفض.
- التسجيل التلقائي للمشمولين في حساب المواطن في الكيان الوطني للادخار.
- تبسيط الوصول إلى منتجات الادخار المصرفي.
- تقديم حوافز للمصارف لجذب الودائع طويلة الأجل.
مؤشرات الشمول المالي في المملكة العربية السعودية:
ينبغي القياس والتقييم لواقع الشمول المالي في المملكة العربية السعودية باستخدام مجموعة من المؤشرات المتعلقة بجوانب تتضمن معدل امتلاك الحسابات المصرفية والادخار والاقتراض ومستوى الثقافة المالية.
تجربة المملكة المتحدة:
على الرغم من تعدد المبادرات ذات الأغراض المتعددة المرتبطة بالشمول المالي في المملكة المتحدة، لا توجد استراتيجية وطنية محددة تتبناها الحكومة لدعم الشمول المالي، وعلى الرغم من ضغوط أصحاب المصلحة على الحكومة من أجل وضع سياسات وتدخلات جديدة وقيادتها وتنسيقها في مجال الشمول المالي، لا ترى الحكومة بأن هناك حاجة إلى ذلك، وذلك رغبةً من الحكومة بعدم تقويض الابتكار ودعم الحلول الناشئة من القطاع الخاص ودفعها لعلاج مشكلات الاستبعاد المالي، كما ترى الحكومة بأن اللاعبين في مجال الشمول المالي قد ينسحبون منه إذا انخرطت الحكومة مباشرة فيه عن طريق اللوائح الصارمة والقيود المفروضة على الأنشطة.
الخدمات والمنتجات المقدمة للفئات الأقل حظاً في المملكة المتحدة:
تقدم الخدمات المالية الموجهة للفئات الأقل حظاً بصورة رئيسية بواسطة القطاع الخاص. وتتضمن تلك الخدمات الائتمان ميسور التكلفة، وبرامج التدريب على التعامل مع النقود، وبرامج سداد الديون، والمحاضرات حول كيفية التعامل مع النقود، وبرامج تحفيز الادخار، والمشورة حول كيفية التعامل مع الدين، والتأمين ميسور التكلفة، وقد أصبحت تلك الخدمات سائدة ومنتشرة بصورة عارمة في مجال الشمول المالي بالمملكة المتحدة أخيراً. ويتمثل دور الحكومة البريطانية في دور الممكِّن أو الميسِّر، وذلك بتوفير بيئة تنظيمية ورقابية محفزة تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص بين مزودي الخدمات. كما تعمل الحكومة على رفع مستويات الوعي لدى المواطنين حول مصادر الإقراض البديلة، وذلك إلى جانب تقديم المشورة المالية للمواطنين.
مؤشرات الشمول المالي في المملكة المتحدة:
يقاس الشمول المالي في المملكة المتحدة بالاستناد إلى المؤشرات الرئيسية المعتمدة بواسطة البنك الدولي، والتي تنقسم إلى الفئات الآتية:
- مؤشرات الوصول: هذه المؤشرات تعكس وصول الخدمات المالية. ومن الأمثلة لهذه المؤشرات درجة اختراق فروع المصارف أو أجهزة نقاط البيع في المناطق الريفية، ومعوقات جانب الطلب التي يواجهها العملاء للوصول إلى المؤسسات المالية، مثل معوقات التكلفة والمعلومات.
- مؤشرات الاستخدام: تقيس هذه المؤشرات كيفية استخدام العملاء للخدمات المالية، ومن الأمثلة لهذه المؤشرات ما يتعلق بدرجة الانتظام ومدى الاستخدام للمنتج أو الخدمة المالية عبر الزمن على سبيل المثال: متوسط قيم أرصدة المدخرات، وعدد مرات التحويل المالي لكل حساب، وعدد عمليات الدفع الإلكتروني التي تجرى).
- مقاييس الجودة: تصف هذه المقاييس ما إذا كانت المنتجات والخدمات المالية متوافقة مع احتياجات العملاء، كما أنها تصف مجموعة الخيارات المتاحة أمام العملاء، ومدى وعي العملاء وفهمهم لخصائص المنتجات والخدمات المالية.
إحصاءات وأرقام حول واقع الشمول المالي في المملكة المتحدة:
تُظهر الإحصاءات زيادة أعداد المستفيدين من المبادرات المطبقة من الحكومة البريطانية لدعم الشمول المالي بالبلاد. ومن هذه المبادرات مبادرة "اشتر الآن، ادفع لاحقاً" (Buy Now Pay Later) والتي وصل حجم التحويلات في إطارها إلى 6.4 مليون جنيه إسترليني عام 2020، وذلك بزيادة وصلت إلى 70% مقارنة بحجم التحويلات عام 2019. وهناك أيضاً مخطط "المساعدة على الادخار" (Help to Save)، والذي تجاوز حجم الإيداعات في إطاره 257 مليون جنيه إسترليني بحلول شهر مارس من عام 2022. وإلى جانب مبادرة المساعدة على الادخار، توفر الحكومة البريطانية إمكانية فتح حسابات ادخار معفاة من الضرائب لجميع الفئات العمرية، وقد بلغ عدد حسابات الادخار الفردية المفتوحة خلال العام المالي 2020/2021 إلى 12.2 مليون حساب للبالغين و943,000 حساب للقُصَّر. بالإضافة إلى ذلك فقد ازدادت نسبة المستفيدين من التقنيات المالية، فقد وصلت نسبة المستهلكين الذين استخدموا تلك التقنيات في شراء منتج أو خدمة واحدة على الأقل إلى 86%. وتتميز شركات التقنيات المالية بتوفيرها للعديد من المزايا للمستهلكين من المهمشين مالياً، وذلك بإتاحة خيارات أوسع وتمكينهم من الوصول إلى الخدمات المالية بطرق جديدة، والتي يمكن تكييفها مع الاحتياجات المحددة للمستفيدين.