الابتكار الاجتماعي
التفكير التصميمي: استراتيجية رائدة في تمكين الابتكار في الحج والعمرة

مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 16

التفكير التصميمي: استراتيجية رائدة في تمكين الابتكار في الحج والعمرة

   مريم وائل قطب

التفكير التصميمي: استراتيجية رائدة في تمكين الابتكار في الحج والعمرة

يواجه قطاع الحج والعمرة تحديات معقدة، تتعلق بإدارة الأعداد الكبيرة من الحجاج والمعتمرين من مختلف الثقافات والجنسيات، مع مراعاة ضرورة توفير خدمات ذات جودة عالية، تضمن راحتهم وسلامتهم، يتطلب ذلك حلولاً مبتكرة تعزز من سهولة إدارة تدفق الحجاج، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتوفير أدوات تكنولوجية، تسهم في تحقيق تجربة روحانية مميزة.

هنا تبرز أهمية التفكير التصميمي، كأداة لحل المشكلات بطريقة إبداعية، مما يسهم في استحداث حلول تلبي احتياجات المستخدمين بفاعلية وكفاءة.

من واقع الخبرة الممتدة لأكثر من 10 سنوات في استخدام منهجية التفكير التصميمي (Design Thinking) بين قطاعات، مثل الصحة والتعليم وأخيراً في الحج والعمرة، أجد أن هذه المنهجية يمكن استخدامها وتبنيها بوصفها إحدى الاستراتيجيات الفعالة في تعزيز الإبداع والابتكار وحل المشكلات المعقدة، بطرائق إبداعية وتشاركية.

ففي قطاع الحج والعمرة، الذي يتميز بتعقيداته الفريدة واحتياجاته المتنوعة، أصبح تبني منهجيات مبتكرة، مثل "التفكير التصميمي" أمراً ضرورياً لضمان تحسين تجربة ضيوف الرحمن، وتلبية التحديات التي تواجه الجهات المعنية بنحو مباشر وغير مباشر.

وإن من أهم مبادئ منهجية التفكير التصميمي التركيز على الإنسان لحل المشكلات بمختلف صورها وأشكالها، وفي حالتنا هنا الإنسان هو الحاج والمعتمر من مختلف الجنسيات والطباع والثقافات والمستويات التعليمية، إلى جانب مقدمي الخدمات والمشرفين عليها في قطاع الحج والعمرة بمختلف تخصصاتهم ومجالاتهم وطبيعة أعمالهم.

يتطلب أي مشروع ابتكاري تشكيل فريق عمل متنوع التخصصات، مكون من مصممين وخبراء في مجال التحدي، أو نقطة الألم التي رصدت في مواسم الحج أو العمرة السابقة، إضافة إلى إمكانية إشراك المستفيد النهائي وإضافته عضواً في المشروع، وهذا ما يسمى بالتصميم التشاركي "Co-design"، كلما تنوع الفريق، تمكنوا من الوصول إلى فهم أعمق للتحدي، وتصميم حلول نوعية ومبتكرة.

دائماً ما يردنا في مركز الإبداع والابتكار وريادة الأعمال بوزارة الحج والعمرة حلول وأفكار، قد يكون بعض منها مفيداً في معالجة قضية مهمة في الحج والعمرة، ولكن صاحبها غير ملم بأبعاد تلك القضية، وما يرتبط بها من تحديات أو أخطار، مثل: سلامة الحاج، أو التكلفة المرتفعة، أو قابلية التطبيق، أو توفر التقنية الممكنة والمعينة على نجاح الفكرة،

لذلك دائماً ما ننصح رواد الأعمال والمبتكرين في البداية من تكوين أفرقة عمل، يكون بينهم خبير ومجرب، أدى النزولَ الميداني، وتمكن من قراءة التحديات وأبعادها، سواء من منظور المستفيد النهائي الحاج مثلاً، ومنظور مقدم الخدمة، والمنظورات الأخرى، مثل التشريعات والقوانين والسياسات، التي تحكم الوضع والحالة المحيطة بالتحدي.

ومنهجية مثل منهجية التفكير التصميمي يمكنها أن تقدم للمبتكرين ورواد الأعمال الخطة، التي يمكنهم اتباعها خطوة بخطوة، حتى يتمكنوا من فهم التحدي وأبعاده، وبناء الحل الملائم وتجربته مع المستفيدين النهائيين، إذ تركز المنهجية تركيزاً رئيسياً على خوض عدة مراحل تبدأ بفهم عميق لاحتياجات الشرائح المستهدفة، سواء ضيوف الرحمن أو العاملون، وذلك بالنزول ميدانياً وخوض تجربة حقيقية، يراقب فيها سلوك المستفيدين وتدرس احتياجاتهم، والأسباب التي دعتهم إلى الوصول إلى تصرفات وردود أفعال معينة، فيمكن لفريق العمل التعاطف مع المستفيدين ومعايشة التجربة، بأداء مناسك الحج أو العمرة، والاعتماد على الرصد والمراقبة، التي يمكنها أن تجري من خلال المتسوق الخفي، أو ما يسمى لدينا بالضيف الخفي، إذ يرصد كل خطوة يمر بها، ويسجل نقاط الألم وفرص التحسين في رحلته، وفي هذه المرحلة يستعان بمفهوم التفكير التباعدي (Divergent Thinking)، إذ يُجمَع أكبر قدر ممكن من البيانات والإحصاءات، ومن ثم يستخدم التفكير التقاربي (Convergent Thinking)، أي: تحليل تلك البيانات تحليلاً كمياً ونوعياً، يساعد الفريق على الوصول إلى جذور المشكلة وتحويلها إلى صياغة محددة، ويشجع الفريق على جمع الحلول والأفكار الممكنة للتحدي المصاغ.

غالباً ما يكون التحدي محدداً بثلاث نقاط رئيسية: من المستخدم؟ وما المشكلة التي يرغب في حلها؟ وما الدافع وراء حل تلك المشكلة؟ فعلى سبيل المثال: تحدي تحسين تجربة ضيوف الرحمن في المخيمات، يمكننا صياغتها بسؤال: كيف يمكننا تحسين تجربة حجاج دولة الهند من كبار السن داخل المخيمات، بأن نوفر لهم وسائل الراحة، التي تتناسب مع حالاتهم الصحية وتعزز من تجربتهم الإيمانية؟

بعد التوصل لصياغة التحدي يمكن للفريق عقد جلسات عصف ذهني، لجمع حلول مبتكرة، والبحث عبر الوسائل المختلفة عن نماذج وابتكارات مطبقة أو مشابهة أو يمكن الاستلهام منها في بناء الحل المبتكر، حتى ولو كان في قطاع بعيد كل البعد عن الحج والعمرة، إذ إننا في هذه المرحلة نستهدف الأفكار والحلول الغريبة والمجنونة، وحتى غير المطبقة منها، وبعد التأكد من إلمام الفريق بكل الحلول الممكنة والمتوفرة، الناجح منها وغير الناجح، يضع الفريق تصوراً للنموذج الأولي، وكيفية تجربته واختباره على عينة من المستفيدين، الذين قد يكونون في البداية فريق العمل نفسه، أو من خلال عرضها على العاملين في الحج أو العمرة، ومن ثم تطبيقها على عينة من الحجاج والمعتمرين حسب طبيعة الحل المختار.

الهدف من بناء النموذج الأولي وتجربته هو الوصول إلى الفشل بأسرع وقت، ومن ثم تكرار التجربة بعد رصد تلك التجارب، وجمع التغذية الراجعة من المستفيدين والخبراء والفريق.

منهجية التفكير التصميمي منهجية متكررة، وقابلة للإعادة في أي مرحلة من المراحل، إذ تهدف هذه المنهجية إلى تسريع عملية الابتكار، بدمج مختلف مراحل التفكير التصميمي في إطار زمني محدد، يسمح باختبار جدوى الفكرة والحاجة إليها وإمكانية تطبيقها عملياً، مما يمكّن الفرق من الوصول إلى نموذج أولي وحل قابل للتنفيذ في وقت قياسي.

من واقع اطلاعي على عدد كبير من الأفكار والمقترحات والابتكارات خلال عملي بمركز الإبداع والابتكار وريادة الأعمال في وزارة الحج والعمرة، أصبح لدي تصور عن الأسئلة التي تساعدني على فرز المميز وغير المجدي منها، فيمكن الحكم على جدوى الفكرة مبدئياً بالنجاح أو الإخفاق بعدد من الأسئلة، قبل الخوض في نقاشات جدية، والتي تختصر الكثير من الوقت والجهد:

1.   هل أديت فريضة الحج أو العمرة سابقاً؟ إذا كان الجواب لا، نسأل: هل عملت في مواسم الحج سابقاً؟

إذا لم يسبق لك الحج أو العمرة، ولم يسبق لك العمل في المواسم، فحتماً لن يكون لديك تصور كاف وواضح عما يحدث في الواقع، وستظل الفكرة حبراً على ورق، وعلى الأغلب لن تتجاوز السؤال الذي يليه.

2.   ما الشريحة المستهدفة للحجاج أو المعتمرين بدقة (persona

يجب على المبتكر تحديد شريحة المستفيدين بدقة، ويمكن الاستعانة بنموذج بناء شخصية العميل (persona)، فبعض المبتكرين يستهدف كل الحجاج، وفكرته لم تتجاوز بعد الصورة الذهنية، فكيف ستتمكن من الاختبار والتأكد من جدوى الفكرة؟

3.   ما التحدي الذي واجهته في الحج أو العمرة، والذي أدى بك إلى هذه الفكرة؟

غالباً ما تكون الأفكار وليدة معاناة أو تجربة سابقة، فكلما كان التحدي يؤثر في عدد كبير من الحجاج والمعتمرين، ويحدث نقلة نوعية في الخدمة، أو يخفض تكلفة وغيرها، زادت فرص نجاح المشروع مع المستثمرين والداعمين.

4.   هل أديت محاكاة للتجربة وقست أثرها؟

بعض الأفكار الناجحة تكون وليدة المختبرات والمعامل أو المراكز البحثية، فهذا النوع من الأفكار غالباً ما يحظى بقبول أكبر، ثم تنتقل هذه الأفكار لمرحلة التجربة الفعلية في المواسم، بغرض التطوير وتخصيص المنتج أو الخدمة بما يتلاءم مع الشريحة المستفيدة.

5.   هل لديك المواد والتقنية المطلوبة للتنفيذ؟

بعض الأفكار لا يمكن تنفيذها بسبب عدم توفر المواد أو التقنية المطلوبة للتنفيذ، فتصبح فكرة خيالية، وهذا يصعّب على متخذ القرار قبول الفكرة ودعمها.

6.   ما الجهات ذات العلاقة بالفكرة (مستفيدون، داعمون، ممولون)؟

نسأل هذا السؤال للتأكد من إلمام المبتكر واطلاعه على الشركاء المحتملين والداعمين والمستفيدين وطرائق إقناعهم بالفكرة.

الموضوع لا يقتصر فقط على هذه الأسئلة، بل تضاف إليها أسئلة متخصصة بالتنفيذ والتجربة الأولية وغيرها.

ولا ننسى أن هذه الأسئلة مخصصة لأصحاب الأفكار، وليس رواد الأعمال (لهم مسار مختلف في التقييم والأسئلة)، وعادة ما نضع في المركز نماذج تقييم أولية، لفرز الأفكار الواردة إلينا، وتحديد مواعيد لمقابلة المبتكر، واستبعاد من لم يجتز المتطلبات والمعايير الأولية.

ونحن في المركز نعمل خلال موسم حج هذا العام بالإشراف على عمليات اختبار وتطوير لعدد من المنتجات المبتكرة بهدف تعميمها وتطويرها.

 

ختاماً... نبدع لرحلة حج وعمرة تخلد في الذاكرة.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...