الابتكار الاجتماعي
التحول الرقمي في أنظمة المتابعة والتقييم وأثره في قياس الأثر

مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 23

التحول الرقمي في أنظمة المتابعة والتقييم وأثره في قياس الأثر

يعيد التحول الرقمي الحاصل في الآونة الأخيرة تشكيل آليات إنجاز المهام في قطاعات العمل كافة، ومنها القطاع الاجتماعي، والعمل الإنساني.

وبالنسبة للمتابعة والتقييم، لم تعد التقنيات المستخدمة قديماً من أدوات ورقية، وجداول، ومقابلات حضورية وجهاً لوجه كافية للاستجابة لمتطلبات العمل وضمان جودة نتائجه، وخاصة في ظل التعقيدات الحاصلة في العمل التنموي، وقد جاء التحول الرقمي ليُعيد صياغة هذا المجال من جذوره، مُقدِماً تقنيات، وأدوات تساعد على الوصول للبيانات بجودة عالية والحصول على أفضل النتائج.

يستعرض هذا المقال واقع أنظمة المتابعة والتقييم قبل التحول الرقمي وبعده، وأثر هذا التحول في قياس الأثر الاجتماعي، بالإضافة إلى تحديات التحول الرقمي في جمع البيانات، وتوجهات في أنظمة المتابعة والتقييم، وقياس الأثر في ظل التحول الرقمي.

واقع أنظمة المتابعة والتقييم قبل التحول الرقمي وبعده

قبل التحول الرقمي: اعتمدت أنظمة المتابعة والتقييم دورة بطيئة في الإنجاز، كانت تجمع البيانات ورقياً، أو عبر تسجيل الصوت، وتفرغ هذه البيانات يدوياً في قواعد بيانات، لتنتقل قواعد البيانات الناتجة إلى الفريق المسؤول عن تحليل البيانات وإعداد التقارير، وهذه العمليات قد تتطلب أسابيع أو أشهراً، ثم يأتي دور قياس الأثر بعد إغلاق المشروع، ما جعل التحسين المبكر لأي نشاط أو عملية في المشروع ضرباً من ضروب الرفاهية لا الممارسة المعتادة.

بعد التحول الرقمي: غيّر التحول الرقمي آليات العمل جذرياً، فأصبحت أدوات جمع البيانات رقمية مثل: KoBoToolbox وODK وSurveyCTO تُتيح للفرق الميدانية إدخال البيانات مباشرةً عبر الهواتف الذكية، حتى في المناطق ذات الاتصال المحدود، ثم مزامنتها فور توفر الاتصال بالإنترنت، ثم يجري تصديرها في قواعد بيانات جاهزة للتنظيف والتحليل، ما يختصر الجهد والوقت والتكلفة. ووفرت لوحات القيادة (Dashboards) التفاعلية نظرة شاملة للنتائج، والاطلاع على قيم المؤشرات وتحديثها كلما تطلب ذلك بشكل يمكّن من استخلاص البصائر، التي يمكن البناء عليها في اتخاذ القرار، وتوفر للمديرين رؤية آنية للمؤشرات لحظةً بلحظة (Bamberger et al., 2015).

أثر التحول الرقمي في قياس الأثر الاجتماعي

يمكن ملاحظة الآثار التي حققها التحول الرقمي في عمليات قياس الأثر الاجتماعي من أوجه عدة:

  • ساهم التحول الرقمي في مجال قياس الأثر الاجتماعي في تحسين جودة البيانات، فالأدوات الرقمية المستخدمة قلصت من أخطاء النقل اليدوي للبيانات، وهي تحوي قواعد التحقق، وتمنع إدخال قيم خطأ أو ناقصة، وتوفر الأدوات الرقمية بيانات وصفية تلقائية كوقت الإدخال، والموقع الجغرافي، وهوية جامع البيانات، بأسلوب يساعد على تحديد مسار جمع البيانات، الذي يكون مستحيلاً باستخدام الأدوات الورقية واليدوية.
  • أثر التحول الرقمي في عملية قياس الأثر، التي كانت حالة عملية دورية، تُجمع البيانات مرة أو مرتين سنوياً في أحسن الأوقات، أما النموذج الرقمي، فيمكّن من تتبع مؤشرات النتائج بنحو مستمر ومتواصل، ما يتيح الإدارة ورصد الأثر المنجز قبل الانتهاء من المشروع، والتعامل مع المستجدات بصورة مباشرة، والتحسين المستمر لتعظيم الأثر.
  •  ساعد التحول الرقمي على الوصول إلى فئات كان من الصعب الوصول لها سابقاً باستخدام الأدوات التقليدية، إما بسبب ارتفاع التكاليف، أو صعوبة الوصول للمناطق الجغرافية، أو قلة الموارد المخصصة للمشروع، وساهم التحول الرقمي في توسيع المسح ليشمل آلافاً عبر منصات رقمية أو رسائل نصية، ما مكّن من الوصول إلى فئات جديدة تقع خارج دائرة الاستطلاعات التقليدية، وزيادة الدقة في رصد الأثر، لكنه يخسر الفئات الأقل إلماماً بالتقنية، التي ليست قادرة على التعامل مع الأدوات الرقمية، وفي هذه الحالة لا بد من مراعاة السياق المحلي والبنى التحتية الرقمية للمنطقة المستهدفة، وتصميم أدوات جمع البيانات وفقاً لذلك.
  •  منحت التحولات الرقمية إمكانية قياس الأثر بمقاييس بديلة في الحالات التي يكون فيها الأثر يحتاج إلى سنوات حتى يتبلور وتظهر نتائجه، بتوظيف بيانات من مصادر إدارية (سجلات مدرسية، بيانات صحية، سجلات ضريبية...) لبناء مؤشرات تنبؤية تساوي في قيمتها المؤشرات الفعلية (كما في حالة النظير المالي في منهجية العائد الاجتماعي على الاستثمار الذي يمكّن من معرفة القيمة المالية للنتيجة وفقاً لأسعار السوق أو قيم مؤشرات تعتمدها منظمات أو مؤسسات دولية)، تعكس الأثر بنحو تقريبي في الوقت الحقيقي.
تحديات التحول الرقمي في جمع البيانات

حمل التحول الرقمي إلى جانب الإيجابيات جملة من السلبيات والتحديات أثرت في جمع البيانات، أبرزها:

  1. الفجوة الرقمية من أبرز التحديات الهيكلية التي تهدد نزاهة التحول الرقمي في عملية جمع بيانات المتابعة والتقييم، وقياس الأثر الاجتماعي، تشير تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن أكثر من 2.7 مليار شخص حول العالم ليس لديهم وصول للإنترنت، وغالبيتهم في المناطق التي تستهدفها برامج التنمية (ITU, 2023)، فنحن أمام شريحة واسعة من الفئات الأكثر هشاشة في المناطق النائية، يستدعي ذلك تصميم أدوات واستراتيجيات تجمع بين الأدوات الرقمية والورقية تشمل كل الفئات، وتضمن عدم إقصاء أي فئة.
  2. التعامل مع موضوع خصوصية البيانات وأدبيات جمع البيانات مع الحفاظ عليها، وتخزينها ضمن قواعد محمية صارمة، تحدٍ عالي الخطورة، حيث ظهرت حوادث عديدة في القطاع الإنساني تسربت من خلالها بيانات للاجئين، والفئات الأكثر ضعفاً في مجتمعات تعاني من أزمة ما، ما دفع منظمات عدة إلى وضع سياسات صارمة لحماية البيانات الإنسانية (ICRC, 2020).
  3. يحتاج التحول الرقمي واستخدام أدوات رقمية إلى فرق مدربة قادرة على التعامل معها واستثمارها، وهذا يتطلب تخصيص موارد وميزانية للتدريب وبناء القدرات، الأمر الذي يحمل المؤسسة أعباء إضافية.
  4. يسهّل التحول الرقمي قياس ما يمكن قياسه، على حساب قياس ما يستحق القياس حقاً، فالمؤشرات الكمية سهلة الأتمتة والتحليل، على عكس المؤشرات النوعية التي تحتاج إلى أدوات أكثر تعقيداً وفرقاً مؤهلة للقيام بهذه المهام.
توجهات في أنظمة المتابعة والتقييم وقياس الأثر في ظل التحول الرقمي

برزت مع ممارسات التحول الرقمي جملة من التوجهات في أنظمة المتابعة والتقييم وقياس الأثر تمثلت في:

  1. التأكد من اختيار الأدوات الرقمية، التي تخدم الغرض قبل تحديد الفرضيات والأسئلة التقييمية.
  2. تصميم أنظمة تجمع بين النهج التقليدي، والنهج الرقمي لجمع البيانات، لضمان الوصول لكل الفئات المستهدفة.
  3. تخصيص جزء من الموارد لبناء قدرات الفريق على استخدام الأدوات الرقمية، وقراءة البيانات الرقمية، وتفسيرها، وتوظيفها في التحليل.
  4. وضع سياسات تحكم عملية جمع البيانات تمثل الإطار المهني، والقانوني، والأخلاقي، وفقاً للمعايير الدولية لحماية خصوصية المستفيدين.
  5. التأكد من تصميم أدوات تتضمن مؤشرات كمية ونوعية، تلتقط أبعاداً من الأثر لا تحصيها الأرقام.

ساهم التحول الرقمي في تحسين ورفع سوية أنظمة المتابعة والتقييم وقياس الأثر، انعكس ذلك على سرعة العمليات، ودقتها، وجودة أدائها، بدءاً من جمع البيانات، وصولاً للوحات القيادة التفاعلية Dashboard إلى نماذج قياس الأثر التنبؤي، وأصبحت المنظمات والمؤسسات الاجتماعية تمتلك إمكانات غير مسبوقة، أحدثت فارقاً حقيقياً في حياة الناس.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...