مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 22
التمكين الاقتصادي في سياق النهج المتمركز حول الإنسان
تمهيد:
يمثل التمكين الاقتصادي حجر الزاوية في بناء مجتمعات أكثر عدالة وشمولية، إذ يتيح للأفراد والجماعات المهمشة فرصة المشاركة الكاملة في النشاطات الاقتصادية وصناعة القرار، ومع ذلك غالباً ما تظهر التحيزات البنيوية التي تعيق هذا التمكين، وتتجلى في أشكال متعددة، مثل التهميش والانحياز إلى الفئات ذات النفوذ، والفصل الطبقي، فضلاً عن التجاهل الثقافي، تسهم هذه التحيزات في تعزيز الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعلها عائقاً أمام تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
في ظل هذه التحديات، تبرز أهمية النهج المتمركز حول الإنسان كإطار فعال ليس فقط لإزالة التحيزات البنيوية، بل أيضاً لتفكيك الرؤى التنموية النخبوية التي تتمحور حول الغرب، غالباً ما تسعى السياسات التنموية العالمية إلى فرض نماذج اقتصادية موحدة تتجاهل السياقات الثقافية والاقتصادية المحلية، مما يؤدي إلى استنساخ هياكل اقتصادية تعزز التبعية بدلاً من تحقيق الاستقلالية. هنا يأتي دور النهج المتمركز حول الإنسان في تقديم بديل يركز على إدماج الأصوات المحلية، واحترام الهويات الثقافية، وإعادة صياغة الأولويات التنموية بناءً على احتياجات المجتمعات وقيمها الخاصة.
يرتكز هذا النهج على مبادئ أساسية تشمل الشمولية والاستدامة والتكيف، مما يمكنه من إزالة الحواجز التي تفرضها النماذج الغربية الموحدة، عن طريق تصميم سياسات مستندة إلى فهم دقيق للسياقات المحلية، يعيد النهج المتمركز حول الإنسان صياغة مفهوم التمكين الاقتصادي كعملية تعزز قدرات المجتمعات على صياغة نماذجها التنموية.
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين مفهوم التمكين الاقتصادي والنهج المتمركز حول الإنسان، مع تسليط الضوء على الكيفية التي يمكن لهذا النهج من خلالها أن يسهم في إزالة التحيزات البنيوية وتفكيك الرؤى النخبوية الغربية، مما يرسخ قواعد اقتصادية أكثر عدالة وشمولية، ويعزز السيادة التنموية للمجتمعات المستهدفة.
نموذج التمكين الاقتصادي المستورد وأثره في تهميش الفئات الضعيفة:
يعد التمكين الاقتصادي عملية تتضمن توفير الموارد والفرص والمعرفة، لتمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في الأنشطة الاقتصادية، وتحسين ظروفهم المعيشية، ومع ذلك فإن الطبيعة المستوردة لبعض خطط التمكين الاقتصادي، المستندة إلى نماذج غربية جاهزة، قد تسهم في تهميش الفئات الضعيفة بدلاً من دمجها، تعتمد هذه النماذج غالباً على افتراضات ثقافية واقتصادية نخبوية لا تتوافق مع السياقات المحلية، مما يؤدي إلى إقصاء الفئات التي تفتقر إلى "رأس المال الرمزي"[1].
رأس المال الرمزي، الذي يشمل المعرفة الثقافية والتعليم واللغة، يمثل شرطاً أساسياً للاندماج في الأنظمة التنموية المستوردة من الغرب. غالباً ما تكون مخرجات التمكين الاقتصادي المصممة وفقاً لهذه النماذج موجهة نحو تحقيق معايير غربية محددة، مثل التوجه نحو الأسواق الحديثة، أو الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة، أو التفاعل ضمن شبكات اقتصادية وثقافية ذات طابع غربي، نتيجة لذلك تصبح الفئات المهمشة، التي تفتقر إلى رأس المال الرمزي اللازم للتكيف مع هذه المخرجات، مستبعدة تلقائياً من خطط التمكين.
يمكن أن يظهر الاستبعاد في آليات متعددة:
أولاً- قد تنطلق بعض النماذج المستوردة مباشرة من الغرب للتمكين الاقتصادي من فرضية أن الأفراد يمتلكون معرفة مسبقة بأنظمة السوق والنظم المالية الحديثة، مما قد يقلل من فاعلية هذه السياسات في المجتمعات التي تعتمد على الاقتصاد غير الرسمي أو الأنشطة التقليدية.
ثانياً- كما قد تفرض بعض السياسات متطلبات تقنية أو تعليمية قد تكون بعيدة عن متناول الفئات المهمشة بسبب محدودية فرص التعليم والتدريب، مما قد يعمق الفجوة بينهم وبين النخبة الاقتصادية.
ثالثاً- يتم تجاهل القيم والعادات المحلية، مما يؤدي إلى تصميم سياسات اقتصادية غير ملائمة للسياقات الاجتماعية والثقافية، وهو ما يعزز الشعور بالاغتراب بين الفئات المهمشة.
علاوة على ذلك تعكس هذه النماذج تصوراً معيارياً للتقدم الاقتصادي يتجاهل التفاوتات المحلية. فالتركيز على قيم غربية، مثل التنافسية الفردية أو الابتكار التكنولوجي، يقصي المجتمعات التي تعتمد على التعاون الاجتماعي أو الأنشطة الاقتصادية التقليدية، ومن ثم تصبح عمليات التمكين الاقتصادي المستوردة امتداداً لهيمنة ثقافية واقتصادية تعيد إنتاج التفاوتات الطبقية بدلاً من معالجتها.
لتفادي هذه الآثار السلبية، يتطلب التمكين الاقتصادي عملية إعادة صياغة تتماشى مع السياقات المحلية. ويشمل ذلك تصميم سياسات تعترف بتنوع الهياكل الاجتماعية، وتدمج القيم المحلية، وتسهل وصول الفئات المهمشة إلى الموارد، دون الحاجة إلى امتلاك رأس المال الرمزي الذي يتطلبه النظام الاقتصادي الغربي.
النهج المتمركز حول الإنسان: تفكيك الخطاب الغربي (Deconstructing the Western-Centric Discourse) وإعادة صياغة التمكين الاقتصادي:
يمثل النهج المتمركز حول الإنسان أداة فعالة لتفكيك الخطاب التنموي المرتبط بمعايير التمكين الاقتصادي المتمركزة حول الغرب، عبر إعادة صياغة مفهوم التمكين الاقتصادي ليكون متمحوراً حول الإنسان نفسه، بتطلعاته وتأملاته وقيمه، يقوم هذا النهج على مجموعة من الآليات التي تزيل التبعية الثقافية والاقتصادية للنماذج الغربية، وتعزز قدرة المجتمعات المحلية على صياغة مساراتها التنموية بناءً على احتياجاتها الواقعية.
آليات النهج المتمركز حول الإنسان:
إعادة تعريف مركزية الإنسان
النهج المتمركز حول الإنسان يعيد تعريف مفهوم التمكين الاقتصادي من كونه عملية تسعى لتحقيق أهداف اقتصادية نخبوية مفبركة إلى كونه عملية تُركز على بناء قدرات الأفراد وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في تحديد أولوياتهم الاقتصادية، بدلاً من التركيز على استيراد نماذج تنموية جاهزة، يُصمِّم النهج سياسات وبرامج تستند إلى فهم دقيق للتطلعات الإنسانية والقيم المحلية، ما يُمكّن الإنسان من استعادة دوره بوصفه محوراً للسياسات التنموية، بعيداً عن فرض المعايير الغربية.
تفكيك رأس المال الرمزي النخبوي
يعتمد النهج على تقويض الاعتماد على رأس المال الرمزي، الذي يتطلبه التكيف مع المعايير الغربية، وذلك عن طريق:
تعزيز المهارات المحلية: بدلاً من فرض مهارات أو معارف مستوردة، يركز النهج على بناء المهارات التي تتوافق مع السياق المحلي وتعزز من قدرات المجتمعات.
إلغاء المتطلبات الثقافية والتقنية غير الملائمة: تصميم سياسات وبرامج اقتصادية تستوعب التنوع الثقافي والاقتصادي، بألا يكون النجاح مرهوناً بالقدرة على التكيف مع معايير النخبة.
إعادة تقييم الهياكل الثقافية: احترام القيم المحلية والتقاليد الاقتصادية، ما يحرر المجتمعات من الحاجة إلى تبني المعايير الغربية للحصول على فرص التمكين.
تصميم العمليات التشاركية
النهج المتمركز حول الإنسان يشرك المجتمعات المحلية في تصميم السياسات التنموية للتمكين الاقتصادي وتنفيذها، وبإشراك الفئات المستهدفة في كل مراحل التخطيط والتنفيذ، يتم تجاوز الهيمنة النخبوية وإعادة صياغة أولويات التمكين الاقتصادي بما يتناسب مع الاحتياجات الحقيقية للأفراد والمجتمعات.
تحويل التركيز من "الأدوات" إلى "القيم"
أحد أهم مخرجات النهج المتمركز حول الإنسان هو التركيز على الأخلاق بدلاً من الأدوات الاقتصادية المفروضة. التمكين الاقتصادي من هذا المنظور يتجاوز كونه وسيلة لتحقيق الربحية إلى كونه إطاراً يرسخ العدالة الاجتماعية، ويعزز الكرامة الإنسانية عن طريق:
- الاعتراف بالتنوع: إنشاء سياسات شاملة تراعي الاختلافات الثقافية والاقتصادية.
- المرونة والاستدامة: تطوير نماذج اقتصادية مرنة تتكيف مع الاحتياجات والتغيرات المجتمعية المستمرة.
التمكين الاقتصادي من منظور النهج المتمركز حول الإنسان
عند تفكيك الرؤى النخبوية الغربية، يعيد النهج صياغة التمكين الاقتصادي كمفهوم يركز على:
- إزالة الحواجز البنيوية: الحد من التفاوتات الطبقية عبر توجيه الموارد والفرص إلى الفئات المهمشة.
- تحقيق العدالة الاقتصادية: ضمان أن تكون مخرجات التمكين متناسبة مع احتياجات المجتمعات المحلية، وليست موجهة لتحقيق أهداف نخبوية.
- تمكين الإنسان بصفته فاعلاً تنموياً: بدلاً من رؤية الأفراد متلقين للدعم، يركز النهج على تحويلهم إلى فاعلين يمتلكون القدرة على توجيه مستقبلهم الاقتصادي.
بهذه الآليات، يتحول التمكين الاقتصادي إلى عملية متكاملة تحرر المجتمعات من المعايير المتمركزة حول الغرب، وتؤسس لخطاب تنموي يضع الإنسان بصفته كياناً متكاملاً في مركز العملية الاقتصادية.
في الختام... يمثل النهج المتمركز حول الإنسان ركيزة أساسية لتحقيق تمكين اقتصادي حقيقي ومستدام، بعيداً عن الرؤى النخبوية المتمركزة حول الغرب، بهذا النهج تعاد صياغة مفهوم التمكين ليصبح محورياً حول الإنسان وتطلعاته وقيمه، بدلاً من أن يفرض عليه نموذج تنموي مفروض من خارج سياقه، يعيد هذا التحول للتمكين الاقتصادي قدرات الأفراد والمجتمعات المحلية على تحديد أولوياتهم الاقتصادية، ويساعدهم على تجاوز القيود الثقافية والاجتماعية التي تفرضها النماذج الغربية المستوردة.
بتفكيك رأس المال الرمزي النخبوي الذي يتطلب التكيف مع مخرجات التمكين الغربي، يُمكّن هذا النهج المجتمعات من إعادة تقييم هياكلها الثقافية والاقتصادية وبناء سياسات تتناسب مع احتياجاتها الحقيقية، وذلك عبر تعزيز المهارات المحلية، وإلغاء المتطلبات التقنية والثقافية التي تُقصي الفئات المهمشة، بالإضافة إلى تصميم سياسات اقتصادية مرنة تحترم التنوع الثقافي والاجتماعي.
كما يساهم النهج المتمركز حول الإنسان في تفكيك الحواجز البنيوية التي تكرس التفاوتات الطبقية، ويعمل على تحقيق العدالة الاقتصادية التي تُعنى بتوزيع الفرص بالعدل بين جميع الفئات، وبذلك يتحول التمكين الاقتصادي إلى عملية حيوية ترتكز على المساواة، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، مما يعزز قدرة المجتمعات على إدارة تطوراتها الاقتصادية وتوجيهها في إطار من الاستقلالية والمرونة.
إن تبني هذا النهج لا يقتصر فقط على إعادة صياغة مفهوم التمكين الاقتصادي، بل يشكل أيضاً خطوة نحو تحطيم القيود التي تفرضها المعايير النخبوية، ويسهم في بناء عالم تنموي أكثر عدلاً.
وعلى الرغم من ذلك يجب التنويه إلى أن مصطلح التمركز حول الإنسان، رغم ما يحمله من أبعاد إيجابية، قد يفتح المجال أيضاً لتبني سرديات صغيرة أو أحادية الجانب تقتصر على الإنسان بوصفه مستهلكاً في عالم معقد ومتعدد الأبعاد. فالتركيز المفرط على الإنسان الاستهلاكي البسيط، الذي يقتصر في فهمه للوجود على أبعاد اقتصادية ضيقة، يمكن أن يؤدي إلى تفريغ الإنسان من تعقيداته وتعدديته، وتحويله إلى إنسان أحادي البعد[2].
لذا من الضروري تبني سياسات تمكين اقتصادية شاملة تركز على الإنسان، ولكن مع الوعي الكامل بتعدد أبعاده وتعقيداته، يجب أن تدرك هذه السياسات أن الإنسان ليس مجرد كائن اقتصادي يسعى لتحقيق رغباته الاستهلاكية، بل هو كائن اجتماعي وثقافي، يمتلك القدرة على النقد والإبداع والمساهمة في تحولات مجتمعية عميقة. إن تجاوز الرؤية الأحادية للبشرية، والابتعاد عن استهلاك الإنسان كأداة اقتصادية فقط، من شأنه أن يعزز تطوير سياسات تمكين اقتصادية تؤدي إلى مجتمعات أكثر عدالة ومساواة، وتسمح بتحقيق طموحات الفرد والمجتمع في إطار من الإنسانية الشاملة التي تقدر قيمته وأبعاده المختلفة.