الابتكار الاجتماعي
التمويل الأصغر Microfinance في السعودية فرص وإمكانات لتعزيز الشمول المالي

مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 22

التمويل الأصغر Microfinance في السعودية فرص وإمكانات لتعزيز الشمول المالي

   آلاء يحيى مطر

المقدمة:

يعد دمج 1.4 مليار شخص حول العالم، ممن ليس لديهم وصول إلى حسابات مصرفية، في النظام المالي أولوية قصوى للحكومات جميعها، فهذا لن يدفع النمو الاقتصادي على المستوى الكلي فحسب، بل يشجع أيضاً التمكين الاقتصادي للمجتمعات المحرومة تقليدياً، ويوفر لها ظروفا آمنة للازدهار.

يعني الشمول المالي أن الأفراد والشركات لديهم إمكانية الوصول إلى منتجات وخدمات مالية مفيدة وبأسعار معقولة تلبي احتياجاتهم، (معاملات ومدفوعات ومنتجات ادخار وتسهيلات ائتمانية وقروض وخدمات تأمين)، وتقدم على نحو مسؤول ومستدام، أما التمويل الأصغر فهو تقديم الخدمات المالية المختلفة (قروض وادخار وتحويلات وتأمين وغيرها) للفئات التي لا تتمكن من الحصول على هذه الخدمات من القطاع المصرفي، بغرض مساعدتهم للحصول على خدمات التمويل، والانخراط بنشاطات منتجة، أو لتنمية مشروعاتهم الصغيرة أو المتناهية الصغر.

أهداف التمويل الأصغر:

أحد الأهداف الرئيسة للتمويل الأصغر، هو توفير الخدمات المالية للفئات ذوي الدخل المنخفض والمهمشة، الذين يستبعدون من النظام المصرفي، ويمكن أن تتلخص أهداف التمويل الأصغر بما يلي:

  • تشجيع الإنتاجية في المجتمع.
  • الحد من الفقر والبطالة.
  • زيادة فرص عمل للشباب.
  • زيادة الأصول والممتلكات.
  • تشجيع ريادة الأعمال.
  • تحفيز الإبداع والابتكار.
  • تنمية القدرات والمهارات.
  • تحقيق الشمول المالي.
أهمية التمويل الأصغر:

يعد التمويل الأصغر أداة قوية تسهم في إشراك الشباب في عملية التنمية، وتمكينهم اقتصادياً، عن طريق تعزيز الوصول إلى الخدمات المالية، إذ تساعد الخدمات المالية على تحفيزهم لإطلاق مشروعاتهم الصغيرة وتنميتها، مما يساعد على تمكين الشباب في الاندماج بسوق العمل، وخلق فرص عمل جديدة، والرفع من أداء القطاع الخاص، كما يؤدي التمويل الأصغر دوراً حيوياً في تحقيق الشمول المالي، بتعزيز الوصول إلى خدمات التمويل لذوي الدخل المحدود، وتلبية الاحتياجات والتطلعات المالية للشباب، بما يمكنهم من تحقيق طموحاتهم في ريادة الأعمال، والمساهمة الفعالة في عملية التنمية الاقتصادية، وبناء مجتمع أكثر شمولاً وازدهاراً.

الدور المتنامي للتمويل الأصغر في الاقتصاد السعودي ضمن رؤية 2030:

يدلي التمويل الأصغر بدلوه في تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030، عن طريق دعم المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر، وتعزيز الشمول المالي، وتمكين الفئات غير المخدومة من الوصول إلى التمويل، يساهم هذا النوع من التمويل في زيادة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد المحلي، مما يعزز النمو الاقتصادي، ويخلق فرص عمل جديدة، تتضمن المبادرات المتعلقة بالتمويل الأصغر، وتسهيل الوصول إلى المنتجات التمويلية، وتطوير حلول تمويل بديلة تتماشى مع احتياجات القطاع المستهدف، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، وتسعى هذه المبادرات إلى تحسين تجربة العملاء، باستخدام التقنيات المالية الحديثة، مما يسهم في تسريع نطاق التمويل للمنشآت الناشئة والصغيرة.

تحليل البيئة التنظيمية والتشريعية التي تدعم التمويل الأصغر:

تساهم البيئة التنظيمية والتشريعية في دعم قطاع التمويل الأصغر، إذ توفر إطاراً قانونياً يضمن الشفافية، والحماية، والاستدامة المالية، تتضمن هذه البيئة جوانب رئيسية عدة:

  1. التشريعات الصادرة عن البنك المركزي: يضع البنك المركزي السعودي (ساما) اللوائح التنظيمية، التي تنظم عمل مؤسسات التمويل الأصغر، من ذلك متطلبات الترخيص، والإشراف، والرقابة المالية.
  2. مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب: تتضمن اللوائح إجراءات صارمة، لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مثل متطلبات "اعرف عميلك "(KYC) وإجراءات فتح الحسابات، لضمان أن تكون العمليات المالية آمنة وشفافة.
  3. التشريعات الخاصة بالتمويل الإسلامي: هناك اهتمام خاص بتطوير التمويل الأصغر الإسلامي، إذ توضع أطر تنظيمية تتماشى مع الشريعة الإسلامية، مما يتيح للمؤسسات تقديم منتجات تمويلية متوافقة مع القيم الإسلامية.
  4. دعم الابتكار والرقمنة: تشجع اللوائح التنظيمية على استخدام التكنولوجيا المالية (FinTech) لتعزيز الوصول إلى الخدمات المالية، مما يسهم في تحسين الكفاءة وتوسيع نطاق الشمول المالي.
المبادرات الحكومية:

تتضمن المبادرات الحكومية في السعودية لدعم التمويل الأصغر والاقتصاد المحلي برامج رئيسية عدة، منها:

برامج صندوق التنمية الاجتماعية

  1. تمويل المنشآت: يقدم بنك التنمية الاجتماعية مجموعة متنوعة من المنتجات التمويلية، لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مثل تمويل التميز، وتمويل رواد الأعمال، وبرنامج الامتياز التجاري.
  2. تمويل أفق: يهدف إلى دعم الشركات القائمة، التي لا يقل عمرها عن 3 سنوات، بتمويل يصل إلى 40 مليون ريال سعودي.
  3. تمويل سيولة: يهدف إلى توفير التمويل السريع للمنشآت متناهية الصغر، لدعم احتياجاتها المالية المختلفة.

برامج "منشآت"

  1. دعم ريادة الأعمال: تعمل "منشآت" على نشر ثقافة ريادة الأعمال والابتكار، عن طريق تقديم الدعم الإداري والفني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
  2. تنويع مصادر الدعم المالي: تشمل هذه المبادرات تحفيز مبادرات قطاع رأس المال الجريء، وتقديم برامج ضمان التمويل.
  3. برامج الاستثمار: تشمل برامج الإقراض المباشر وغير المباشر، وبرامج الاستثمار لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة على مدى السنوات القادمة.

هذه البرامج تهدف إلى تعزيز التمويل الأصغر والشمول المالي، ودعم الابتكار، وتمكين رواد الأعمال في المملكة، مما يساهم في تحقيق أهداف رؤية 2030.

أهم الجهات الفاعلة في التمويل الأصغر:

البنوك التنموية

  • بنك التنمية الاجتماعية: يقدم مجموعة متنوعة من المنتجات التمويلية لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مثل تمويل التميز، تمويل رواد الأعمال، وبرنامج الامتياز التجاري.
  • البنك السعودي للاستثمار: يوفر برامج تمويلية مخصصة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كالتمويل الإسلامي والتمويل التقليدي.

الجمعيات الخيرية

  • جمعية بنيان الخيرية: تقدم قروضاً صغيرة لدعم الأسر المحتاجة وتمكينها من بدء مشروعات صغيرة لتحسين دخلها.
  • جمعية البر الخيرية: تعمل على تقديم الدعم المالي والتدريب للأفراد والأسر، لتمكينهم من تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال مشروعات صغيرة.

شركات التمويل الأصغر

  • شركة النايفات للتمويل: تقدم حلولاً تمويلية متنوعة للأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، كالتمويل الاستهلاكي وتمويل السيارات.
  • شركة اليسر للتمويل: توفر خدمات تمويل مبتكرة، تشمل التمويل الاستهلاكي وتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتدعم قطاعات متعددة، مثل التجاري والصناعي.
فرص التمويل الأصغر في تعزيز الشمول المالي:

يساعد التمويل الأصغر على تمكين الفئات غير المتعاملة مع القطاع المصرفي التقليدي بطرائق عدة:

  • توفير الوصول إلى الخدمات المالية: يتيح التمويل الأصغر للأفراد، الذين لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات المصرفية التقليدية الحصول على القروض الصغيرة، أو حسابات الادخار، أو التأمين، هذا يساعدهم على إدارة تدفقاتهم النقدية اليومية، والاستثمار في مشروعات صغيرة، والتصدي للأزمات المالية.
  • دعم المشروعات الصغيرة والأسر المنتجة: يوفر التمويل الأصغر رأس المال اللازم لبدء المشروعات الصغيرة وتوسيعها، مما يعزز من قدرة الأسر المنتجة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحسين مستوى المعيشة.
  • تعزيز الشمول المالي: بتقديم خدمات مالية مخصصة للفئات ذات الدخل المحدود، يساهم التمويل الأصغر في تعزيز الشمول المالي، مما يتيح لعدد أكبر من الأفراد المشاركة في الاقتصاد الرسمي.
  • تمكين النساء والشباب: يركز التمويل الأصغر بخاصة على تمكين النساء والشباب، لمساعدتهم على بدء مشروعاتهم الخاصة، مما يعزز من دورهم في المجتمع، ويساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الجهود مجتمعة تساهم في خلق بيئة مالية شاملة، تدعم التنمية المستدامة، وتحسن من جودة الحياة للفئات غير المتعاملة مع القطاع المصرفي التقليدي.

التحديات التي تواجه التمويل الأصغر في المملكة العربية السعودية:

على الرغم من التشريعات والمشروعات الفاعلة في المجال، والفرص المتاحة للفئات المستهدفة، إلا أن الأمر يواجه بعض التحديات:

صعوبة الوصول إلى الفئات المستهدفة في بعض المناطق الريفية:

  • التوزيع الجغرافي: بعض المناطق الريفية في السعودية بعيدة عن المراكز الحضرية، مما يجعل الوصول إليها صعباً بسبب البنية التحتية المحدودة.
  • نقص الوعي المالي: الفئات المستهدفة في هذه المناطق قد تفتقر إلى المعرفة المالية اللازمة، للاستفادة من خدمات التمويل الأصغر، مما يتطلب جهوداً إضافية في التوعية والتثقيف.

ارتفاع تكاليف التشغيل والإدارة للمؤسسات المالية الصغيرة:

  • البنية التحتية التكنولوجية: تحتاج المؤسسات المالية الصغيرة إلى استثمارات كبيرة في التكنولوجيا لتقديم خدماتها بكفاءة، وهذا يزيد من تكاليف التشغيل.
  • التكاليف الإدارية: إدارة القروض الصغيرة تتطلب عمليات إدارية مكثفة، مما يزيد من التكاليف مقارنة بالقروض الكبيرة.

الحاجة إلى تقنيات مبتكرة لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة:

  • الرقمنة: تبني التقنيات الرقمية يمكن أن يساعد على خفض التكاليف التشغيلية، بتحسين العمليات وتقليل الحاجة إلى التفاعل البشري المباشر.
  • الابتكار في المنتجات المالية: تطوير منتجات مالية مبتكرة، تتناسب مع احتياجات الفئات المستهدفة يمكن أن يسهم في تحسين الكفاءة وزيادة الوصول إلى التمويل.
الإمكانات المستقبلية (التوصيات)

هذه توصيات يمكن أن تساعد على تعزيز قطاع التمويل الأصغر في السعودية، مما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة:

تكامل التمويل الأصغر مع التقنيات المالية (Fintech) مثل تطبيقات الإقراض الرقمي:

  • تطبيقات الإقراض الرقمي: يمكن للتقنيات المالية أن تسهل الوصول إلى التمويل الأصغر بواسطة تطبيقات الهواتف الذكية، التي تتيح للمستخدمين التقدم بطلبات القروض وإدارتها بسهولة، هذه التطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لتحليل البيانات، وتقديم قرارات إقراض سريعة ودقيقة.
  • المدفوعات الرقمية: استخدام حلول الدفع الرقمي يمكن أن يقلل من التكاليف التشغيلية، ويزيد من كفاءة العمليات المالية، مما يسهل على المؤسسات المالية تقديم خدماتها بأسلوب أكثر فاعلية.

استخدام البيانات الضخمة لتحديد المستفيدين ومراقبة الأداء:

  • تحليل البيانات: يمكن استخدام البيانات الضخمة، لتحليل سلوك العملاء، وتحديد الفئات الأكثر احتياجاً للتمويل الأصغر، مما يساعد على توجيه الموارد بنحو أكثر فاعلية، وزيادة الوصول إلى الفئات المستهدفة.
  • مراقبة الأداء: تتيح البيانات الضخمة للمؤسسات المالية مراقبة أداء القروض، وتحديد الأخطار المحتملة مبكراً، مما يساعد على تحسين إدارة الأخطار وزيادة معدلات السداد.

دور التعاون بين القطاعين العام والخاص في توسيع نطاق التمويل:

  • الشراكات الاستراتيجية: يمكن للتعاون بين القطاعين العام والخاص أن يسهم في توفير الموارد المالية والخبرات اللازمة، لتوسيع نطاق التمويل الأصغر، هذه الشراكات يمكن أن تشمل تقديم الدعم الفني والمالي للمؤسسات المالية الصغيرة.
  • تحفيز الاستثمار: الشراكات بين القطاعين يمكن أن تحفز الاستثمار في البنية التحتية المالية والتكنولوجية، مما يسهم في تحسين الوصول إلى الخدمات المالية في المناطق الريفية والنائية.
الخاتمة

إن الجبال من الحصى، وأول السيل قطرة، فمجموع الأعمال والمبادرات الصغيرة له أثر لا يستهان به في نمو الاقتصاد، وتمكين أكبر عدد من فئات المجتمع، وإعطائهم الفرصة لبداية الطريق في النجاح، والمساهمة في تحقيق رؤية المملكة 2030، إن البيئة التنظيمية والتشريعية التي تدعم التمويل الأصغر، وبالتضافر مع المبادرات الحكومية والجهات الفاعلة في المجتمع تعطي التمويل الأصغر الفرص المواتية للمساهمة في تعزيز الشمول المالي، بتوفير رأس المال للمشروعات الصغيرة، وتمكين الشباب والنساء في ريادة الأعمال، وإعطاء الفرصة للفئات غير المتعاملة مع القطاع المصرفي التقليدي.

هذه العملية ليست خالية من التحديات، إذ تحتاج إلى بنية تحتية أقوى، لدعم شركات التكنولوجيا المالية الناشئة، وتعزيز التحول الرقمي في القطاع المالي، ويحتاج المزودون إلى تبني التكنولوجيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لتحسين تجربة عملائهم وجذب مزيد من المستخدمين.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...