مبادرة الابتكار الاجتماعي
الثروة الناعمة

مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 7

الثروة الناعمة

   غياث خليل هواريكنده المعمار

تعتبر قضايا المرأة؛ والتحديات التي تواجهها على المستوى الشخصي، والأسري، والاجتماعي من أهم القضايا، وأكثرها تعقيداً. رغم كثرة التصدي لنصرة المرأة، وكثرة المنتصرين لها، والمطالبين بإنصافها، يبقى الحراك الفعلي الذي يعمل على تمكينها مع مراعاة خصوصيتها، وخصوصية مجتمعها محدوداً للغاية.

ويعرّف تمكين المرأة بأنه العملية التي تُتيح للمرأة القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تُكسبها قوةً تُمكّنها من التحكم في حياتها.[1] ويُشير ذلك إلى امتلاك المرأة للموارد، وقدرتها على الاستفادة منها، وإدارتها بهدف تحقيق مجموعة من الإنجازات، وبناءً على هذا التعريف يتبيّن أهمية توافر ثلاثة عناصر مترابطة لتستطيع المرأة ممارسة اختياراتها الفردية؛ وهي: الموارد، والإدارة، والإنجازات، حيث تُومئ كلٌ من تلك العناصر إلى معنى مختلف؛ فالموارد تُشير إلى التوقعات والمخصصات المادية، والاجتماعية، والبشرية، أمّا الإدارة فتُشير إلى قدرة المرأة أو على الأقل إحساسها بالقدرة على تحديد أهدافها الاستراتيجية التي تريد الوصول إليها في حياتها والتصرّف بناءً على تلك الأهداف واتخاذ القرارات بناءً على نتائج تلك الأهداف، أمّا الإنجازات فهي تُشير إلى مجموعة متنوعة من النتائج التي تبدأ من تحقيق مستوى عيش كريم وتحسينه إلى تحقيق مبدأ تمثيل المرأة سياسيّاً.[2]

انطلاقاً من هذا التعريف، وإيماناً منا بأهمية توفير برنامج تدريبي يساعد في تمكين الفتيات، ويراعي خصوصيتهن، وخصوصية مجتمعاتهن، ويساعدهن على اكتشاف الموارد المتاحة، والتمكن من إدارتها من أجل تحقيق إنجازات تنهض بالمرأة، وبالمجتمع، كانت فكرة برنامج الثروة الناعمة.

الفكرة الملهمة للبرنامج

انطلاقاً من الإيمان بأهمية بناء قدرات الفتيات السعوديات، وتمكينهن من البناء الشخصي، والمهني، والاجتماعي؛ قررت إدارة مركز الرواد في مدينة الخفجي في المملكة العربية السعودية بإشراف الأستاذ فلاح المري، أن تُطلق برنامجاً تخصصياً لبناء قدرات الفتيات السعوديات في المرحلة الجامعية، وما بعد الجامعية، وذلك في مطلع عام 2016، حيث يأتي البرنامج استجابةً لاحتياج قائم لدى الكثير من الجهات من أجل تفعيل دور الفتيات في عملية التطوير المجتمعي، وتحقيق رؤية المملكة 2030.

ومركز الرواد هو أحد المراكز التابعة لـ (مؤسسة نفع الوقفية)، ويعمل على تصميم وإطلاق المبادرات والبرامج النوعية للفتيات، وتوفير المحاضن التربوية وفق أحدث الأساليب التعليمية والتدريبية، وقد كان لدى المركز رغبةً قويةً بالمساهمة في بناء قدرات رائدات الأعمال الاجتماعيات ممن يمتلكن الرغبة في العمل المجتمعي، والمساهمة في صنع الأثر الاجتماعي، وقد تم التعاقد بين مركز الرواد وشركة سبر لتصميم الأعمال من أجل تصميم المادة التدريبية للبرنامج.

الإعداد العلمي للبرنامج

1 - قصة الإعداد والمنهجية:

قام فريق الابتكار وتصميم الحلول في شركة سبر بالتخطيط للبرنامج، حيث شملت الخطة دراسة أفضل الممارسات العالمية في تمكين الفتيات الجامعيات، ومن ثم إعداد دراسة ميدانية لتحديد الكفاءات المطلوبة في البرنامج التدريبي. وقد شارك في استبيان الدراسة الميدانية 400 طالبة جامعية سعودية، حيث استطاع الفريق البحثي في شركة سبر من خلال تحليل بيانات الدراسة الميدانية تحديد الكفاءات الخمس التي ينبغي أن يغطيها البرنامج التدريبي. وقد تم تصميم البرنامج التدريبي الذي شمل كلٍ من الكفاءات التالية:

  • المسؤولية الشخصية.
  • التوجه المهني.
  • المساهمة الاجتماعية.
  • التفكير التصميمي.
  • الاتصال الشخصي.

وقد تم تصميم البرنامج من خلال مراعاة تقديم المفاهيم العلمية المؤسِّسة للمهارات والقدرات ومنظومة التفكير التي تبني قدرات الفتيات السعوديات المستقبلية، مدعوماً بأدوات، وتمارين عملية تساعد على تعزيز عملية التدريب لدى الفتيات، وتمكينهن من العمل بأنفسهن، وبشكل مستقل على وضع خطةٍ شخصيةٍ، ومهنيةٍ، واجتماعيةٍ وتطويرها مستقبلاً وفق المتغيرات التي قد تطرأ على حياتهن. وبعد الانتهاء من تصميم البرنامج، تم تقديم النسخة التجريبية ومناقشتها مع إدارة المركز. وتم تقديم الجلسة الإرشادية للأخوات المدربات.

2- تصميم المحتوى:

راعى تصميم المحتوى تقديم البرنامج وفق تسلسل منطقي يساعد على اكتشاف الموارد الشخصية اللازمة لكل كفاءة من الكفاءات الخمس، ومن ثم تحديد الهدف الذي ينبغي الوصول إليه من خلال تعلّم تلك الكفاءة، ومن ثم تصميم خطة التعلم الذي يتم من خلاله اكتساب المهارة، بعد ذلك  العمل على تنفيذ خطة التعلّم. وقد تم تطوير التمرينات، وأوراق العمل اللازمة لكل مرحلة، بحيث يتم الانتقال بيسر وسهولة إلى المراحل الأخرى. وذلك من خلال المحاور التدريبية الخمسة التالية:

 

3- مزايا البرنامج:

تم تصميم البرنامج بالاعتماد على أفضل الممارسات في التدريب وبناء القدرات في بناء القدرات الشخصية، والمهنية، والمجتمعية، والتي تعتمد على تقديم المعارف النظرية، وبناء المنظومة الفكرية لدى الفتيات، ومن ثم الانتقال إلى القسم العملي الذي يساعد على تصميم المشروع الريادي من خلال الرحلة الريادية المكونة من عشر محطات.

تضمنت مكونات البرنامج ما يلي:

 

  • وقد اعتمد البرنامج منهجية التصميم المرتكز حول الإنسان في فهم احتياجات المستفيدات، وتصميم الحلول التي تلبي تلك الاحتياجات وفق مجموعة من الخطوات العملية.
  • البرنامج مزود بمجموعة متسلسلة من التمرينات والأدوات وأوراق العمل التي تساعد على تنفيذ التدريب بمتعة وفعالية عالية.

إطلاق البرنامج

من أجل تقديم البرنامج داخل المملكة العربية السعودية، قامت إدارة المركز بتدريب كلٍ من الأخوات المدربات: الأستاذة نجاة بن مخاشن، والأستاذة رقية باخميس، والأستاذة شيخة المري، والأستاذة وفاء العتيبي، والأستاذة سناء الحمود، والدكتورة نوف التميمي، والأستاذة أمل المنقور، والأستاذة نورة الحربي، والأستاذة آمال القطاع، حيث تم تدريبهن على تقديم البرنامج، واعتمادهن من قبل مؤسسة تعليمية بريطانية.

في عام 2017 بدأ تنفيذ البرنامج التدريبي بإشراف الأستاذة نورة المطيري، وبتبني (شركة نفع الوقفية) في مركز مرافئ الفتيات -وهو أول محضن تربوي مهاري للفتيات في مدينة الخفجي- والتابع للجنة التنمية الاجتماعية الأهلية بالخفجي وذلك من خلال تقديم 8 برامج تدريبية تم فيها تدريب 200 فتاة في مدينة الخفجي، كما تم تقديم برنامج واحد في مدينة جدة، تم فيه تدريب 25 فتاة، بالإضافة إلى تقديم برنامج واحد في مدينة الخبر تم من خلاله تدريب 25 فتاة.

قام بتدريب البرنامج كلٍ من: الأستاذة نجاة بن مخاشن، والأستاذة رقية باخميس، والأستاذة شيخة المري، والأستاذة وفاء العتيبي، والأستاذة سناء الحمود. وقد بدأ العمل على تدريب البرنامج في عام 2017. حرصت إدارة مركز مرافئ الفتيات على دعم التدريب من خلال تمكين البيئة الحيوية عبر توفير القاعات والمرافق المتميزة.

قياس أثر البرنامج

في عام 2019 قررت اللجنة المنظمة للبرنامج قياس أثر البرنامج. حيث قام قسم التحليل في شركة سبر بـإعداد الاستبيانات، والأسئلة الخاصة بالمقابلات المعمقة التي تم تنفيذها مع المستفيدات، والمدربات، ومشرفات البرنامج. وقد عملت الدراسة على قياس الأثر وفق إطار "OCED DAC Criteria" المطور من قبل منظمة التعاون الاقتصادي، وتستخدمه رسمياً منظمات الأمم المتحدة، وعموم المؤسسات المانحة الدولية في مشاريع قياس الأثر، والمتابعة والتقييم، ويشتمل هذا الإطار على المحاور الخمسة التالية:

  • الارتباط"Relevant": هل يتوافق المشروع مع احتياجات المجتمع؟
  • الفاعلية "Effectiveness": إلى أي مدى حقق المشروع نتائجه المرجوة؟
  • الكفاءة "Efficiency": هل تم إنجاز الأنشطة بشكل جيد؟
  • الأثر "Impact": ما هو التغيير الإيجابي والسلبي الذي حدث في المجتمع؟
  • الاستدامة "Sustainability": كم ستستمر نتائج المشروع بعد انتهائه؟

 وقد أشارت نتائج الدراسة إلى ما يلي:

 88% 

من الفتيات

حافظن على تركيزهن أثناء التدريب

 95% 

من الفتيات

وجدن كفاءات المدربات جيدة جداً

 86% 

من الفتيات

وجدن المستوى التنظيمي جيد جداً

 92% 

من الفتيات

تحسنت مهارتهن في التواصل بشكلٍ كبير

 48% 

من الفتيات

شاركن بعد انتهاء البرنامج في أنشطة مجتمعية

 84% 

من الفتيات

تحسنت قدرتهن على حل مشكلاتهن الشخصية

 

وقد طالبت توصيات الدراسة بما يلي:

  • تطوير إصدار رقمي للبرنامج يوفر نسخة رقمية من المعارف، والأدوات، وأوراق العمل والمقاييس للمشاركات.
  • تطوير برنامج إرشادي قيادي مكمل يستمر من ثلاثة إلى ستة أشهر لترسيخ المهارات المكتسبة.

تطوير البرنامج

في عام 2020 قررت اللجنة المنظمة للبرنامج تطوير إصدار رقمي لبرنامج الثروة الناعمة يتضمن تصميم "منصة الثروة الناعمة" والتي توفر:

  • تعريف بالمنصة.
  • نسخة رقمية من المادة التدريبية.
  • المقاييس الخاصة بالأبعاد الخمسة للبرنامج.
  • نسخة قابلة للتحميل من الأدوات، وأوراق العمل.
  • مدونة خاصة بالبرنامج.
  • آراء وانطباعات المشاركات.

وقد تم إعداد المحتوى العملي للإصدار الرقمي من قبل شركة سبر، ومن ثم تم تصميم المنصة من قبل شركة أثير العربية لتقنية المعلومات، وإطلاقها في مطلع العام الحالي، وقد بدأ التدريب باستخدام النسخة الرقمية من قبل الأستاذة نجاة بن مخاشن، ولا يزال التدريب عليه مستمراً، حيث من المخطط أن يستفيد من المنصة في المرحلة الأولى 250 مستفيدة.

إنجازات البرنامج

وأخيراً.. لقد تضمنت أسئلة دراسة قياس الأثر ترك حرية اختيار كلمة للفتيات المشاركات للتعبير عن البرنامج فكانت الكلمة الأكثر تكراراً هي كلمة "أحتاجه"، ولعل هذا هو السر وراء نجاح البرنامج. ذلك لأن الابتــــكار لا يعني اختراع مشــــروع جديــــد مــــن العــــدم، بقــــدر ما يعبــــر الابتــــكار عمومــــا عن ملامسة الحلول لآلام المستفيدين، وتلبية احتياجاتهم. فقد تم تصميم البرنامج باعتماد منهجية التصميم المرتكز حول الإنسان، والتي تنطلق في تصميم التعليم من تحديد احتياجات المتعلمين، وتصميم المادة التعليمية بحيث تلبي تلك الاحتياجات، فضلاً عن وجود شركة نفع الوقفية التي تبنت البرنامج وأشرفت على إدارة تنفيذه ببراعة بمساعدة مدربات مميزات، وتوفير بيئة تدريبية مثالية، ومحفزة. حيث أكدت المشاركات أن البرنامج كان يتمركــــز حــــول احتياجاتهن، فلامس مشــــاكلهنّ، وتجــــاوز توقعاتهــــن.

كما شــــارك فريــــق مشــــروع الثــــروة الناعمــــة ممثــــلاً بالدكتــــورة رانيــــا الصوالحي فــــي المؤتمر الدولــــي الثالث والثلاثـــون لفاعليــــة التعليــــم وتطويــــره. وتــــم اختيــــار المشــــروع بفضــــل الله المشــــروع الأكثر إبداعــــا ً وابتــــكارا في الجائزة العالميــــة المرموقــــة 2020 JPCC/ICSEI.

 

 

[1]  "empowerment of women", eige.europa.eu, Retrieved 19-4-2020. Edited

[2]  Marloes Huis, Nina Hansen, Sabine Otten, and others (28-9-2017), "A Three-Dimensional Model of Women’s Empowerment: Implications in the Field of Microfinance and Future Directions"، www.frontiersin.org, Retrieved 19-4-2020.

 

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...