مبادرة الابتكار الاجتماعي
دور إنترنت الأشياء في إيصال نماذج عمل التّجارة الإلكترونيّة إلى العالم

مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 8

دور إنترنت الأشياء في إيصال نماذج عمل التّجارة الإلكترونيّة إلى العالم

أعلن بنك إنجلترا في شهر يوليو أنّ ورقته الجديدة من فئة 50 جنيهاً إسترلينياً ستحمل صورة (ألان تورينج) عالم الرياضيات البريطاني الذي ينظر إليه الكثيرون على أنه الأب الفكري لعلوم الكمبيوتر، وتحتوي هذه الورقة إلى جانب مقتطفاتٍ من ورقةٍ بحثيّة تم نشرها في عام 1936 وتمثيلٍ ثنائي لتاريخ ميلاده، على اقتباسٍ من عام 1949، وذلك عندما لم يكن هناك سوى عدد قليل من أجهزة الكمبيوتر في العالم، ويبدأ هذا الاقتباس بعبارة "هذه مجرد إرهاصاتٍ لما سيحدث".

ولا تزال كلمة (تورينج) صحيحةً اليوم، فلقد غيرت أجهزة الكمبيوتر العالم فعلياً بطرق لم يكن بإمكان مخترعيها تخيلها، ولم يكن بإمكان (تورينج) توقع ظهور مشاهير الإنستغرام والتّداول المرتفع الوتيرة؛ وكذلك الأمر بالنسبة لـ(كارل بنز) رائد السيارات الذي لم يتوقع ما حدث في الضواحي ومجمعات التّسوق الحديثة، وهذا يحدث في عالمٍ فيه عشرات المليارات من أجهزة الكمبيوتر ولكن إذا كانت التوقعات حول إنترنت الأشياء[1] صحيحة، فقد يرتفع هذا الرقم مئة ضعف.

وفي الحقيقة يمكننا أن نأخذ فكرةً أوليةً سريعة حول ما سيحدث في المستقبل من خلال النظر إلى التّغييرات التي حدثت بالفعل، ففي فترة ربع قرن منذ أن أصبحت الإنترنت ظاهرة استهلاكية لأول مرة، انقلبت الأعمال التجارية رأساً على عقب، وأصبحت البيانات عملة عالم الإنترنت، حيث يتم جمعها وتحليلها وبيعها (وسرقتها أحياناً) ضمن نموذج عمل أنشأ بعضاً من أهم الشركات في العالم، ولكن هذه النماذج تجتذب رقابة غير وديّة من الحكومات والهيئات التّنظيمية بشكلٍ متزايد، والتي يرفضها منتقدوها بشدة باعتبارها "رأسماليّة المراقبة".

وتوفر الحوسبة المنتشرة في كل مكان للشركات التي تتقنها القدرةَ على استخراج البيانات من العالم الحقيقي بنفس الطريقة التي تقوم بها شركات التّكنولوجيا الكبرى الآن باستخراج البيانات من العالم الافتراضي، وستكون النتيجة ثورةً بطيئة في قابلية القياس الكمي، تصبح فيها المعرفة التي كانت غامضة أو غير كاملة أو حتى غير موجودة دقيقةً أكثر فأكثر، مما يؤدي إلى ظهور ما يسميه المدربون الرياضيون "المكاسب الهامشية أو الطفيفة".

ويُعتبر انخفاض التكاليف بنسبة 10% أو خفض استخدام الطاقة بنسبة 15% أمراً غير مثير من الناحية الفردية، ولكنك إذا وضعتَ ما يكفي من هذه النسب معاً، فإنك ستجد أنها ستصل إلى ثورةٍ في الإنتاجية، وسيؤدي هذا في النتيجة إلى تغيير طريقة عمل الشركات، وفي عالمٍ يتم فيه حوسبة المزيد من الأشياء، ستصبح المزيد من الشركات أشبه بشركات الكمبيوتر، وأما في الصناعات عالية التقنية وباهظة التكاليف، التي كانت فيها اقتصاديات إنترنت الأشياء منطقية لعقودٍ من الزمن، فإن نتائج الحوسبة أصبحت واضحة بالفعل، وقد أطلقت شركة رولزرويس، وهي شركة بريطانية كبرى لتصنيع المحركات النفّاثة، خدمة "Power by the Hour" في عام 1962، حيث عرضت صيانة محركاتها وإصلاحها بتكلفةٍ ثابتة لكل ساعة، وبدأ تحولها الرقمي بجدية في عام 2002 مبنياً على القدرة على القيام بمراقبةٍ مستمرة وآنيّة لمنتجاتها، وتعني البيانات الآنية أنه يمكن لمهندسي الشركة مشاهدة المحركات تتآكل أثناء طيرانها، وعندما يحتاج شيءٌ ما إلى الإصلاح، فيمكنهم وضع الترتيبات بحيث تقوم فرق الإصلاح بانتظار الطائرة على الأرض، وتقدم بيانات الشركة نصائح سريعة للطيارين يمكن أن تؤدي إلى توفير الوقود بقيمة مئات الآلاف من الدولارات.

وتعني الأعمال المتغيرة ثقافاتٍ متغيرةٍ أيضاً، حيث توظف الشركة الآن مبرمجي الكمبيوتر إلى جانب مهندسي الطيران، ولديها قسم برمجياتٍ داخلي ويسمى "r2 Data Labs"، والذي يتم تشغيله كشركة مبتدئة للبحث عن طرقٍ جديدة لتحويل تدفق البيانات إلى أعمالٍ جديدة، وحتى أنّ هذه الشركة تخطط لإعادة تصميم أجزاء من المجمّع ذي المظهر الصناعي، واستبدال المباني القرميدية التقليدية بالهندسة المعمارية ذات الحدائق المنمقة والمرايا الزجاجية المشهورة في وادي السيليكون، والأهم من ذلك أن (أندرو هوتسون سميث) كبير رجال الأعمال في قسم r2، يقول: "نحن نتنافس مع شركتي فيسبوك وجوجل على الموظفين".

ولكن رولزرويس ليست وحدها هنا، حيث تقدم شركة جنرال إلكتريك -وهي منافستها الرئيسية في مجال المحركات النفّاثة- خدماتٍ مماثلة، وسينتشر نموذجها عند انخفاض التكاليف، ففي مؤتمر إنترنت الأشياء في لندن الذي تم عقده في وقتٍ سابق من هذا العام، اصطفت عدة شركات بدايةً من شركة TVH""، وهي شركة بلجيكية تصنع الرافعات الشوكية والمركبات الصناعية، وصولاً إلى شركة "ABB"، وهي شركة هندسية ثقيلة سويدية، لوصف فوائد ما تصفه (ألكسندرا ريهاك) خبيرة إنترنت الأشياء في شركة أوفيوم -وهي شركة من المحللين- بأنها "الخدمات التكميلية"[2].

الأمان تحت الأعين السّاهرة:

إذا كانت الحوسبة المنتشرة في كل مكان ستحول شركات الأشياء إلى شركات خدمات، فإن إنترنت الأشياء ستحول مستهلكي الأشياء إلى مستخدمين للكمبيوتر، وذلك مع كل ما يمليه هذا ضمناً، وستوفر الأدوات الذكية، وذلك تماماً كالشبكات الاجتماعيّة أو البريد الإلكتروني، والراحة والرفاه، وذلك على حساب تحويل كل ما يتم القيام به باستخدام هذه الأدوات الذكية إلى وقودٍ لاقتصاد بياناتٍ أكثر انتشاراً من أي وقت مضى.

وتراقب أجهزة التلفزيون الذكية حالياً المستخدمين الذين يشاهدونها، وترسل البيانات حول خيارات البرامج وعادات المشاهدة؛ حتى أنّ البعض يراقب المحادثات المتعلقة بالموضوعات الأساسية، وإنّ هذه البيانات التي يتم بيعها للمعلنين وصانعي البرامج والتي تضررها أنظمة التّعلم الآلي، تدعم سعر أجهزة التلفزيون نفسها (وهو ما يفسر سبب صعوبة شراء أجهزة التلفزيون "الغبية" غير المتصلة بالشبكة)، وفي عام 2017 قامت لجنة التجارة الفيدرالية بتغريم شركة فيزيو -صانعة التلفزيون الأمريكية- بـ 2.2 مليون دولار بعد أن اكتشف المنظمون أنها لم تكن تسعى بشكلٍ صحيح للحصول على إذنٍ من المستخدمين لجمع وإعادة بيع المعلومات حول عادات المشاهدة.

لا يتعلق هذا بالتلفزيونات وحدها، حيث أنّ هناك موازين ذكية تراقب الوزن ونسبة الدهون، وهي تعتبر فرصةً ذهبية لصناعة اللياقة البدنية، ولقد تسببت شركة آي روبوت، التي تصنع خط رومبا من المكانس الكهربائية الروبوتية، في إثارة ضجةٍ في عام 2017 عندما كشفت عن خطط لمشاركة الخرائط التي تنشئها منتجاتها لمنازل المستخدمين مع جوجل وأمازون وأبل (وقالت منذ ذلك الحين إنها لن تشارك مثل هذه البيانات دون الحصول على موافقةٍ صريحة من مستخدميها)، وتأتي الأدوات بدايةً من الأقفال عالية التقنية إلى السيارات الجديدة مزودةً بسياسات خصوصية تصل إلى آلاف الكلمات (انظر الرسم البياني).

قد يختار الرافضون عدم وضع مثل هذه الأدوات في منازلهم لكي لا تتم مراقبتهم، ولكن مراقبتهم ستتم على أية حال في الأماكن العامة، وتختبر صناعة الإعلان الآن اللوحات الإعلانية "الذكية"، والتي يمكنها استخدام الكاميرات وبرامج التّعرف على الوجه لتقييم ردود أفعال الناس على محتوياتها، وكما يمكن لمئات من أقسام الشرطة الأمريكية طلب الوصول إلى الفيديو الذي سجلته شركة رينج، وهي شركة تابعة لشركة أمازون تصنع أجراس أبواب مزودة بكاميرات، وتُظهر رسائل البريد الإلكتروني الداخلية للشركة أيضاً أن شركة رينج تقدم نقاط نقاش مقترحة للشرطة لمساعدتهم على إقناع مالكي المنازل بشراء منتجاتها، والسماح بمشاركة تسجيلاتهم، وذلك بينما يشكو الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية -وهو منظمة ناشطة- من أنّ النتيجة هي شبكة مراقبة بالفيديو نصف خاصة ونصف عامة ومنظّمة بشكلٍ غامض.

ويمكن أن يكتشف المستهلكون جوانب سلبية أخرى، حيث تسمح الحوسبة بتدفق البيانات من المستخدمين إلى الشركات، ولكنها تسمح أيضاً بتدفق الطاقة والتحكم في الاتجاه الآخر (أي من الشركات إلى المستخدمين)، وكما تتطلب معظم خدمات المنزل الذكي اتصالاً دائماً بالخوادم البعيدة التي يمكن أن تفشل دون سابق إنذار. أمّا شركة أبل فتشتهر بعدم استعدادها للسماح لعملائها بإصلاح أجهزة الآيفون المعطلة في أي مكان باستثناء متاجرها الخاصة، لدرجة أنها استخدمت تحديثات البرامج لتعطيل شاشات اللمس البديلة المثبّتة بواسطة مُصلحين أرخص من طرفٍ ثالث، بينما أمضت شركة جون ديري -صانعة الجرارات الأمريكية- أربع سنوات في مواجهة تمردٍ من المزارعين الغاضبين من التّعرض لقيودٍ مماثلة، حيث أصبحت منتجات هذه الشركة محوسبة لدرجة أنّ المزارعين جادلوا بأنهم لم يعودوا يمتلكون جراراتهم، بل اشتروا فقط ترخيصاً لتشغيلها.

أصبحنا جميعاً رأسماليي المراقبة الآن:

إذا استمرت إنترنت الأشياء على هذا المنوال، فمن المحتمل أن تعيد تشكيل العالم بأكمله على شاكلة وادي السيليكون، ومن خلال مطالعة واحدة لتاريخ الإنترنت فسنجد أنه على الرغم من كل القلق بشأن الخصوصية والتّحكم، إلا أنّ الأشخاص  لا يفعلون شيئاً سوى الاعتراض بالكلام، حيث يثبت صعود رأسمالية المراقبة أنه -في النهاية- عادةً ما يرغب المستهلكون في مقايضة بياناتهم بالمنتجات ووسائل الراحة التي توفرها هذه المنتجات، وأفاد استطلاع في عام 2016 أجراه مكتب الإعلان التفاعلي -وهو هيئة تجارية- أن 65% من مستخدمي إنترنت الأشياء بدوا سعداء برؤية الإعلانات على أجهزتهم، على الأرجح مقابل أسعارٍ أقل.

ومع ذلك، فإذا قمنا بمطالعةٍ أخرى فإننا سنجد أن نماذج الأعمال الإلكترونية (المتصلة بالإنترنت) أثبتت نفسها في وقتٍ مبكر، أي في وقتٍ لم يفهم فيه المنظمون ولا المستهلكون التقنيات الكامنة وراءها بشكلٍ صحيح، وفي وقتٍ لم يمكن حتى لأكثر التقنيين تلهفاً توقع كل آثارها.

وفي هذه الأيام، أصبحت الأمور مختلفة، حيث فقدت شركات التكنولوجيا الكبيرة، التي تُلام على كل شيء -بدءاً من الأطفال المدمنين إلى رعاية الإرهاب- بريقها المثالي، وقد أدت خيبة الأمل هذه إلى تغذية التوقعات القاتمة حول إنترنت الأشياء، ويعتبر هذا الأمر مهماً من نواحٍ كثيرة لأنه إذا كان من الممكن التنبؤ بالمشاكل فيمكن منعها بسهولةٍ أكبر، ولكن إذا كان التفاؤل التكنولوجي الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين يبدو الآن ساذجاً، فإن التشاؤم التكنولوجي السائد اليوم يمكن أن يكون مبالغاً فيه بالمثل أيضاً، وتَعد إنترنت الأشياء -تماماً كالإنترنت الأصلي- بفوائد ضخمة، ولكن على عكس الإنترنت الأصلي، فسوف تنضج إنترنت الأشياء في عصرٍ أصبح متشككاً بشأن المستقبل المحوسب والمتصل بالإنترنت، وإذا كان عليها كسب ثقة مستخدميها، فسيكون من الأفضل بالنسبة لها أن تكسبها على المدى الطويل.

 

 

[1] إنترنت الأشياء (IoT) مصطلح برز حديثاً، يُقصد به الجيل الجديد من الإنترنت (الشبكة) الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها (عبر بروتوكول الإنترنت)، وتشمل هذه الأجهزة الأدوات والمستشعرات والحساسات وأدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة وغيرها، ويتخطى هذا التعريف المفهوم التقليدي وهو تواصل الأشخاص مع الحواسيب والهواتف الذكية عبر شبكة عالمية واحدة ومن خلال بروتوكول الإنترنت التقليدي المعروف، وما يميز إنترنت الأشياء أنها تتيح للإنسان التحرر من المكان، أي أن الشخص يستطيع التحكم في الأدوات من دون الحاجة إلى التواجد في مكان محدّد للتعامل مع جهاز معين.

[2] تعتبر الخدمات التكميلية في جوهرها رحلة تحول، فهي تشمل الشركات (غالباً شركات التصنيع) التي تطور القدرات التي تحتاجها لتقديم الخدمات والحلول التي تكمل عروض منتجاتها التقليدية.

 

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...