الابتكار الاجتماعي
إطار النتائج المبني على نظرية التغيير وعلاقته بنظام المتابعة والتقييم

مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 23

إطار النتائج المبني على نظرية التغيير وعلاقته بنظام المتابعة والتقييم

في عالم من التغيرات برزت تحولات جذرية في تخطيط النتائج، وقياس الأثر، فلم تعد المؤسسات تكتفي بتنفيذ أنشطة وقياس مخرجاتها فقط، بل باتت مُلزَمة بإثبات كيف ولماذا تُحدِث تلك الأنشطة تغييراً حقيقياً في حياة المستفيدين؟ ومن هذا المنطلق برزت نظرية التغيير بوصفها إطاراً فلسفياً ومنهجياً، يُعيد تشكيل طريقة تصميم المشروعات والبرامج، وتقييم أثرها.

تُقدّم نظرية التغيير خريطة طريق تُوضّح العمل من مرحلة التخطيط إلى إحداث الأثر، مُحدِّدة الافتراضات المرتبطة بكل مرحلة، والظروف والعلاقات السببية، التي تجعل التغيير ممكناً وقابلاً للقياس، وحين تُدمج هذه النظرية بإطار النتائج، تتشكل لدينا أداة للتخطيط واستراتيجية تجمع بين الرؤية الشاملة، والعمل في الميدان.

 وتأتي أهمية المقال من كونه يستكشف العلاقة التكاملية بين إطار النتائج المبني على نظرية التغيير من جهة، ونظام المتابعة والتقييم من جهة أخرى، فتتكون منظومة لإدارة التنمية مرتكزة على البيانات وتحقيق الأثر المرجو. ويتضمن: التعريف بإطار النتائج، والفرق بين إطار النتائج التقليدي، وإطار النتائج المبني على نظرية التغيير، وكيف يتكامل إطار النتائج مع عمليات المتابعة والتقييم، والمؤشرات التي تربط بينهما، والتحديات المتعلقة بهذه العلاقة.

مفهوم إطار النتائج

إطار النتائج هو أداة تخطيط استراتيجي تُصوّر بشكل مرئي ومنظّم سلسلة النتائج المتوقعة للتدخل، بدءاً من مستوى المخرجات وصولاً إلى الأثر المجتمعي الحاصل، ويُمثّل الإطار في جوهره "خريطة استراتيجية" تُظهر العلاقات السببية والمنطقية بين مستويات النتائج المختلفة، مرتبطة بالمؤشرات وأهداف الأداء والفجوات المُراد سدّها (USAID, 2013).

ويتسم إطار النتائج بثلاث سمات رئيسة: تتمثل في:

  • وضوح كل مستوى من مستويات النتائج بدقة لا لبس فيه.
  • تترابط مستويات النتائج ارتباطاً متسقاً وبتسلسل منطقي غير متعارض.
  • كل نتيجة قابلة للقياس بمؤشر يمكن التحقق من بياناته بأدلة ملموسة.

ويتألف إطار النتائج من مستويات متعددة تتمثل في:

  • المدخلات: يمثل مستوى الأساس في إطار النتائج ويضم الموارد المالية، والبشرية، والزمنية، والمادية المستخدمة في التدخل.
  • الأنشطة: يضم الأنشطة والعمليات التي تُحوّل المدخلات إلى مخرجات.
  • المخرجات: تتمثل بالمنتجات، والخدمات، الناتجة بنحو مباشر عن الأنشطة (عدد الدورات التدريبية، عدد المستفيدين المُدرَّبين...).
  • النتائج: يحصر هذا المستوى التغييرات الحاصلة نتيجة للمخرجات في المعارف والمهارات والسلوكيات لدى المستفيدين على المدى القريب والبعيد.
  • الأثر: ويمثل قمة الهرم في إطار النتائج، ويضم التحولات المجتمعية الجذرية والمستدامة التي تعكس الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى (OECD/DAC, 2002).

ويتحدد الفرق بين إطار النتائج التقليدي وإطار النتائج المبني على نظرية التغيير بأن إطار النتائج التقليدي يقتصر في كثير من الأحيان على رسم سلسلة النتائج، دون الإفصاح عن الافتراضات الكامنة وراءها والشروط المُمكِّنة لتحقيقها، أما إطار النتائج المبني على نظرية التغيير يضيف طبقة تحليلية عميقة تكشف: لماذا يؤدي كل مستوى نتائج إلى المستوى التالي؟ وما الشروط السياقية اللازمة (الافتراضات)؟ وما الأخطار التي قد تقطع المسار؟ هذه الإضافة تحوّل إطار النتائج من أداة توثيق إلى أداة متابعة وتقييم حقيقية (Vogel, 2012).

التكامل بين إطار النتائج ونظام المتابعة والتقييم

لو أمعنا النظر في إطار النتائج وإطار المتابعة والتقييم وجدنا أن هناك علاقة تكاملية لا تفاضلية، فإطار النتائج المبني على نظرية التغيير يقيس ما نريد قياسه، ويذكر سبب القياس، ويكمله إطار المتابعة والتقييم بتحديد كيف نقيس؟ ومتى ومن يقيسه؟ وهذا التكامل الوظيفي يجعل من الإطارين وجهين لعملة واحدة، يكون أحدهما ناقصاً دون الآخر، لأن إطار النتائج دون المتابعة والتقييم مجرد وثيقة تخطيط جامدة، ونظام المتابعة والتقييم دون إطار نتائج مجرد عملية لجمع البيانات دون بوصلة واضحة، تخدم الأهداف الاستراتيجية (Mayne, 2008).

كيف يمكن لنظرية التغيير أن تكون محركاً لتصميم إطار المتابعة والتقييم؟

إن بنية نظرية التغيير القائمة على المسار السببي يمكن أن تكون المرجع الأول لاختيار مؤشرات المتابعة والتقييم، بأن يكون لهذه المؤشرات أساس منطقي تبنى عليه، ويمكن لفريق المتابعة والتقييم تتبع هذه المؤشرات في كل مستوى من مستويات التغيير، وهذا يعني أن نظام المتابعة والتقييم لا يقتصر على رصد المخرجات (عدد المستفيدين، عدد الأنشطة)، بل يمتد ليشمل مؤشرات النتائج المتوسطة (التغيير في المعارف والمواقف) وصولاً إلى مؤشرات الأثر بعيد المدى.

وتُوجّه نظرية التغيير أسئلة التقييم مباشرة، فالافتراضات المُدرجة في نظرية التغيير تُصبح فرضيات تُختبر في التقييم، والنقاط الحرجة في المسار السببي تُصبح بؤر تقييمية تستوجب الدراسة المعمّقة (Rogers, 2008).

كيف يمكن لنظام المتابعة والتقييم أن يترجم نظرية التغيير إلى الواقع؟

كما أن نظرية التغيير هي المحرك لإطار المتابعة والتقييم، فإن بيانات المتابعة والتقييم تحيي نظرية التغيير، وتترجمها إلى واقع، ففي مرحلة تصميم نظرية التغيير يُعتمد على معلومات وبيانات اختبرت موثوقيتها وجدواها، وإمكانية تنفيذها، ما يجعلها مبنية على الاختبار الميداني، والخبرات المتراكمة في التنفيذ، وبذلك تعكس النظرية الواقع، وتحدَّث وفقاً للمتطلبات ومستجدات العمل (Blamey & Mackenzie, 2007).

ولكن ذلك يحتاج إلى جلسات نقاشية دورية منتظمة لمراجعة نظرية التغيير وفقاً لنتائج المتابعة والتقييم.

بناء مؤشرات فعّالة تربط إطار النتائج بإطار المتابعة والتقييم

إن بناء قنوات فعالة للربط بين إطار النتائج، ونظام المتابعة والتقييم يستلزم تصميم منظومة مؤشرات هرمية متسقة، تتضمن ثلاثة أصناف من المؤشرات: 

  • مؤشرات المخرجات تقيس ما خرج عن المؤسسة مباشرة (عدد التدريبات المُنفَّذة، عدد المشاركين)، وهي الأسهل في القياس والأقل دلالة على الأثر.
  • مؤشرات النتائج تقيس التغيير الحقيقي في معارف المستفيدين، ومهاراتهم، وسلوكياتهم، وهي الأصعب في القياس، لكنها أكثر ارتباطاً بالأثر المنشود.
  • مؤشرات الأثر تقيس التحولات المجتمعية الكبرى بعيدة المدى، وتستلزم دراسات وأساليب متقدمة لعزل الأثر الذي أحدثه التدخل عن العوامل الخارجية (Bamberger et al., 2012).

وبعد تصميم المؤشرات لا بد من التأكد من أنها تستوفي معايير الجودة لضمان صلاحيتها وموثوقيتها، ويمكن اتباع معايير قياس جودة المؤشر SMART، ويضاف لها شرط الحساسية للتغيير، فيكون المؤشر قادراً على تتبع التحسينات بالتدريج.

ومن الضروري أن تكون المؤشرات تدمج بين النهج النوعي ضمن مقابلات ومجموعات نقاش مركز، ومراجعات، والنهج الكمي للحصول على الصورة كاملة للتغيير الحقيقي.

التحديات المتعلقة بتطبيق إطار النتائج المبني على نظرية التغيير
  1. إن البناء والتصميم لنظرية التغيير لمؤسسة ما تعمل في القطاع الاجتماعي والإنساني يُعد تحدياً للقائمين على المؤسسة، بسبب التداخل الحاصل بين قطاعات العمل من جهة والسياقات المعقدة التي تنفذ فيها التدخلات من جهة أخرى.
  2. يعد رسم مسار واضح للتغيير الاجتماعي أمراً معقداً، لكون خط التغيير الاجتماعي عادة لا يتبع مساراً خطياً بسيطاً من المدخلات إلى المخرجات فالنتائج، وإنما يكون مساره غير خطي، حيث تتداخل فيه عوامل عديدة تؤثر فيه، ويصعب عزلها عن المسار بذاته. وقد أثار باحثون من أمثال رايلي (Ramalingam et al., 2008) تساؤلات عديدة بعضها جدية حول قدرة نظرية التغيير في التعامل مع هذه التداخلات والتعقيدات الكامنة وراء الظواهر الاجتماعية.
  3. قد تضم نظرية التغيير في بعض الحالات افتراضات ضمنية لم تختبر من قبل على أي من التدخلات أو المشروعات، وربما تكون هذه الافتراضات تعاني من قصور، لكونها تعكس منظور واضعيها بدلاً من منظور الفئات المستهدفة، وإذا لم يختبر نظام المتابعة والتقييم هذه الفرضيات، فإن نظرية التغيير ستبقى منفصلة عن الواقع.
  4. في كثير من الحالات صُممت نظرية التغيير وفقاً لمقاس المؤسسة، ولكن لم يرافق تصميمها أي تدريب أو بناء لقدرات الفريق عن كيفية الاستفادة منها والعمل على تطبيقها، وبقي نظام المتابعة والتقييم منفصلاً عن خريطة النتائج، ما أدى إلى رفعها في الأرشيف كونها وثيقة مرجعية للاستئناس.
  5. تعاني بعض المؤسسات من قلة الموارد المالية المخصصة لتنفيذ أنشطة المتابعة والتقييم، لذلك تكتفي بمؤشرات سطحية في تقارير موجزة لإرضاء المانحين، دون أن توظف ما تقوم به في تحسين الأداء المؤسسي داخلها واستدامتها.
شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...