مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 22
ما بين التمويل الأصغر والتمويل الإسلامي نظرة إلى المفاهيم والمبادئ
المقدمة:
يعد التمويل الأصغر أحد الطرق الرئيسية، التي تساعد على تحقيق التنمية الاقتصادية للأفراد، وذلك عن طريق تمكين أصحاب المشروعات الصغيرة من الحصول على خدمات مالية تساعدهم على الاندماج في الاقتصاد الرسمي. وتتنوع هذه الخدمات المالية ما بين القروض والادخار والتأمين للأفراد ذوي الدخل المحدود أو العاطلين عن العمل، والذين لا يتمكنون من الحصول على هذه الخدمات من القطاع المصرفي التقليدي.
ويمكن أن نقول: إن من أبرز أهداف التمويل الأصغر تمكين ذوي الدخل المحدود ومساعدتهم على توسيع مشروعاتهم الصغيرة، وذلك لتحسين مستوى معيشتهم، وخلق فرص عمل جديدة، لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بصورة عامة، فإذا تمكن التمويل الأصغر من تحقيق أهدافه، فإنه بدوره يساهم في الحد من الفقر، ويعزز الاكتفاء الذاتي، كما أنه يشجع على ريادة الأعمال، ويتيح فرصاً للتعليم والتدريب، وهذا بدوره يحسن من مستوى المعيشة العام للأفراد، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وبالنظر إلى تاريخ هذا النوع من التمويل يمكن أن نقول: إن أول تجربة للتمويل الأصغر بدأت في بنغلاديش على يد محمد يونس سنة 1976 بعد المجاعة الكبيرة التي عرفتها البلاد، فأنشئ مصرف غرامين، الذي موَّل الفقراء عندما أطلق تجربة إقراض مبالغ لا تتجاوز 20 دولار أمريكي في إحدى القرى، وتمكن بذلك من إثبات جدارة التمويل الأصغر في خدمة الفقراء في بنغلادش، وقد تحصل محمد يونس على جائزة نوبل في 2006. وبعد تجربة مصرف غرامين استنسخ ما يعرف بمصارف الفقراء أو مؤسسات التمويل الأصغر MFIs في العديد من الدول، مثل أندونيسيا وبوليفيا، وبناء على الإنجازات التي حققتها هذه المؤسسات تبنى البنك الدولي استراتيجية التمويل الأصغر عن طريق إطلاقه ورعايته للمجموعة الاستشارية الدولية لمساعدة الفقراء CGAP، والتي تخصصت في تقديم الخدمات الاستشارية والدراسات الفنية لمؤسسات التمويل الأصغر وبناء القدرات للعاملين في هذ المجال.
وتعتمد منظمات التمويل الأصغر على وجود رأس مال مملوك أو ممنوح، وعلى فروع محلية منتشرة لمؤسسة التمويل في الأماكن المستهدفة، لكي تقدم تمويلاً قصير الأجل، وبسرعة، وبإجراءات بسيطة، ودون ضمانات تقريباً، وأغلبها للنساء، مع تفضيل الإقراض للمجموعات المتجانسة، على أن يتم السداد على أقساط سريعة، أسبوعياً مثلاً. وتقدم منظمات التمويل الأصغر القروض والمساعدات المالية والمشورة والخدمة والتدريب، لكي تضمن سرعة السداد ونجاح المشروع. وتقدم مؤسسات التمويل الأصغر خدمات مالية، أهمها القروض الفردية، والقروض الفردية المتدرجة، وخدمات التوفير، والقروض الجماعية، هذا بالإضافة إلى خدمات متابعة السداد ومتابعة المشروعات والنصح والمشورة المالية.
في السنوات الأخيرة ظهر ما يعرف بالتمويل الأصغر الإسلامي. ويتميز من التمويل الأصغر التقليدي بأنه يتبنى المبادئ الاقتصادية الإسلامية، خصوصاً فيما يتعلق بتحريم الفوائد المصرفية أو الربوية التي -في كثير من الأحيان- أفشلت خطط التمويل الأصغر في العديد من المؤسسات، ومنعتها من تحقيق أهدافها التي تتمثل في الحد من الفقر.
فيما يأتي تعريف مختصر بكل من التمويل الأصغر، ثم التمويل الإسلامي، ثم أبرز الفروق بينهما، مع الإشارة إلى المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التمويل الأصغر الإسلامي.
أولاً- تعريف التمويل الأصغر:
يشير التمويل الأصغر إلى تقديم قروض صغرى للفقراء، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون الاستفادة من الخدمات المالية الرسمية، عن طريق برامج تصمم بالتحديد لتوفير احتياجات أولئك الفقراء بما يتلاءم مع ظروفهم. وتوجد عدة تعاريف للتمويل الأصغر، وفيما يلي نستعرض أهمها:
هو كل الخدمات المصرفية التي تمنح للفقراء وللعائلات ذوي الدخل المنخفض والذين لا يستطيعون الوصول إلى المؤسسات المالية الرسمية، من أجل استعمال هذا التمويل في الأعمال الصغيرة لتحسين أحوالهم الاقتصادية.
هو عملية تقديم خدمات مالية متعددة، مثل خدمات الودائع والقروض وتحويل النقود والتأمين للفقراء وأصحاب الدخول المتدنية من الأسر وأصحاب المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة. ويقدم التمويل الأصغر في الغالب بواسطة ثلاثة مصادر رئيسية تتمثل في:
والملاحظ أن التعريفات تتفق على أن التمويل الأصغر موجه للفقراء وذوي المشروعات الصغيرة، الذين لا يمكنهم الاستفادة من الخدمات المصرفية في المصارف التجارية الضخمة.
ثانياً- تعريف التمويل الإسلامي:
يمكن تعريف التمويل الإسلامي بعدة تعريفات حسب آراء الباحثين في الموضوع، وأغلب هذه التعريفات تدور حول مفهوم واحد، ومن أبرز هذه التعريفات:
تقديم ثروة عينية أو نقدية، بقصد الاسترباح من مالكهـا، إلى شخص آخر يديرها ويتصرف فيها لقاء عائد تبيحه الأحكام الشرعية.
أن يقدم الشخص شيئاً ذا قيمة مالية لشخص آخر، إما على سبيل التبرع أو على سبيل التعاون بين الطرفين، من أجل استثماره بقصد الحصول على أرباح تقسم بينهما على نسبة يتفق عليها مسبقاً، وفق طبيعة كل منهما ومدى مساهمته في رأس المال واتخاذ القرار الإداري والاستثماري.
ويشمل التمويل الإسلامي إطاراً شاملاً من الأنمـاط والنمـاذج والـصيغ المختلفة، التي تغطي كل الجوانب الحياتية، وتعد ضوابط استثمار المال في الإسلام عنصراً أساسياً لتنظيم العلاقات المالية، وذلك مع التأكيد على أن المال هو مال الله، وأن البشر مستخلفون فيه، وذلك وفق أسس وضوابط ومحددات واضحة، مثـل تنظيم الزكاة والإنفاق وضرورة استثمار المال وعدم اكتنازه.
مما تقدم من تعاريف يمكن أن نخلص إلى أن التمويل الإسلامي هو إطار شامل من الأنمـاط والنمـاذج والصيغ المختلفة، التي تتضمن توفير الموارد المالية لأي نشاط اقتصادي بالالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية.
ثالثاً- تعريف التمويل الأصغر الإسلامي:
بناء على ما تقدم من تعريفات متعلقة بالتمويل الأصغر والتمويل الإسلامي، يمكن الإشارة إلى تعريفات مناسبة للتمويل الأصغر الإسلامي، وهي:
- يشير مفهوم التمويل الأصغر الإسلامي إلى جملة من الخدمات المالية، التي تؤدى وفق المبادئ المستمدة من قواعد الشريعة الإسلامية وأصولها.
- أو يمكن تعريفه بأنه: تقديم تمويل عيني أو نقدي وفق مبادئ الشريعة الإسلامية وأصولها للفقراء، من أجل تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والقضاء على الفقر والبطالة.
فمن التعريفات السابقة يتبين أن التمويل الأصغر الإسلامي محكوم بمبادئ الاقتصاد الإسلامي التي سنشير إليها في هذا المقال.
رابعاً- الفرق بين التمويل الأصغر العام، والتمويل الأصغر الإسلامي:
هناك فروقات رئيسية تميز التمويل الأصغر الإسلامي من التمويل الأصغر العام، لا سيما لما يتميز به التمويل الأصغر الإسلامي من خصائص لا تتوافر في التمويل الأصغر العام، وفيما يأتي أبرز هذه الفروقات:
1. ملكية رأس المال:
يستمر ملك رأس المال في التمويل الإسلامي للمالك، في حين تنتقل ملكية رأس المال للطرف الآخر في التمويل الأصغر.
2. الربح والخسارة:
- يشترك الطرفان في الربح قل أو كثر حسب اتفاقهما في التمويل الإسلامي، في حين لا ترتبط الزيادة التي يحصل عليها الممول في التمويل الأصغر بنتيجة ربحية المشروع ولا بحصة المستفيد من التمويل.
- الخسارة تقع على رب المال في التمويل الإسلامي، في حين لا يتحمل الممول في التمويل الأصغر أي خسارة، بمعنى آخر أن المستفيد في التمويل الإسلامي لا يضمن الخسارة إلا في حال التعدي أو التقصير، لأن يده يد أمانة، أما في التمويل التقليدي تعد يده يد ضمان.
3. طبيعة نشاط الاستثمار:
- ينحصر التمويل الإسلامي بالأعمال الاستثمارية المتوقع ربحها، في حين يمكن تمويل أي نوع من الأعمال الاستثمارية في التمويل الأصغر.
- يقتصر التمويل الإسلامي على الأعمال الموافقة للشرع، في حين يمكن تمويل أي نوع من الأعمال في التمويل الأصغر.
- يشترط في التمويل الإسلامي التركيز على المشروعات التي تمتزج فيها عناصر الإنتاج، لكن لا يشترط ذلك في التمويل الأصغر، فمثلاً: قد يستخدم المستفيد المال في إقراضه بالربا.
4. طبيعة التمويل:
يجري التمويل الإسلامي عن طريق النقود أو عن طريق الأصول الثابتة، أما في التمويل الأصغر يكون التمويل عن طريق النقد فقط.
خامساً- مبادئ التمويل الأصغر الإسلامي:
يشير التمويل الإسلامي الأصغر إلى نظام التمويل القائم على القوانين الإسلامية المستمدة من الشريعة الإسلامية. وتقوم المبادئ المالية الإسلامية على مبدأ عام يتمثل في تحقيق التنمية الاجتماعية مع النهي عن الأساليب غير العادلة أو الاستغلالية، ويمكن تلخيص أبرز مبادئ التمويل الأصغر الإسلامي فيما يأتي:
1. تحريم الفائدة:
هو المبدأ المركزي للنظام الإسلامي، فتعد الفائدة التقليدية على القروض أو المدخرات (كعائد ثابت دون المشاركة في أية مخاطر) شيئاً محرماً.
2. تقاسم المخاطر:
بناءً على المبدأ الأول في تحريم الفائدة، يصبح أصحاب الأموال مستثمرين بدلاً من كونهم دائنين، وبذلك يتقاسم مقدم رأس المال وصاحب المشروع مخاطر الاستثمار بدلاً من تقاسم الربح فقط.
3. تحريم الاحتكار:
يمنع النظام المالي الإسلامي الاحتكار، ويحرم المعاملات التي تنطوي على أي نوع من الغبن والمقامرة والمخاطرة.
4. التزامات التعاقد:
يتمسك الإسلام بالالتزامات التعاقدية ووضوح وشفافية المعلومات، ففي عقود البيع مثلاً: يجب أن يكون المنتج أو الخدمة التي تُباع أو تُشترى واضحة لكلا الطرفين. وتهدف هذه الشروط إلى الحد من مخاطر الغش والكذب والضرر المعنوي الذي قد يلحق أحد الأطراف.
5. مشروعية الأنشطة الممولة:
يحرم على المسلمين التعامل والربح بواسطة الأنشطة الاقتصادية التي تعد غير مشروعة في الإسلام، فمثلاً: الاستثمار في الأعمال المتعلقة بالخمر والمقامرة والمواد الإباحية، وغيرها من الأنشطة التي يمنعها الإسلام ويعاقب فاعلها.
الخاتمة:
لا شك أن التمويل الأصغر يساهم كثيراً في دعم المشروعات الصغيرة، ومساعدة ذوي الدخل المحدود، وذلك لمساعدتهم على تطوير أعمالهم ودعم عجلة الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، إلا أن ذلك وفقاً للمفهوم الإسلامي لا يعد كافياً إن لم يكن منضبطاً بالمبادئ الإسلامية، منعاً لاستغلال هذا النوع من التمويل في المعاملات المالية غير الشرعية، التي تعود بالضرر على المجتمعات المسلمة في دينها ودنياها، لذلك اعتمدت بعض الدول الإسلامية نموذج التمويل الأصغر الإسلامي، لكونه يتوافق مع القيم الدينية للمجتمعات الإسلامية، فأصدرت القوانين التي تلزم بعض المصارف بتخصيص نسبة من محافظها التمويلية للفئات الاجتماعية الفقيرة، وذلك دعماً لهم وتحسيناً لأوضاعهم خصوصاً في البلدان التي تعاني من أزمات كبيرة كالفقر والحروب والكوارث الطبيعية وغيرها.