مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 23
نظرية التغيير كحلقة وصل بين نظام المتابعة والتقييم وقياس الأثر
يُعد بناء نظام متابعة وتقييم فعال تحدياً كبيراً للمنظمات الإنسانية، والمؤسسات الاجتماعية، وغالباً ما يكون التحدي في كيفية الانتقال من متابعة الأنشطة اليومية، وتقييم نتائجها، إلى إثبات الأثر بعيد المدى، وهنا تظهر نظرية التغيير (Theory of Change) ليس كأداة تخطيط فحسب، بل كحلقة وصل منهجية تضمن ترابط العمليات التشغيلية للمؤسسة بالنتائج الاستراتيجية التي حققتها عبر تدخلاتها.
وقبل الحديث عن دور نظرية التغيير كحلقة وصل بين المتابعة والتقييم من جهة، وقياس الأثر من جهة أخرى، نقدم نظرة سريعة إلى نظرية التغيير من المفهوم، والمحددات، والتطور التاريخي، والإطار العلمي لها.
يقصد بنظرية التغيير نهج وضع أهداف التغيير، وطريقة تحقيق هذا التغيير، فهي أداة لوصف كيف يمكن أن يحدث التغيير المطلوب في سياق معين وتوضيح ذلك، فتركز على ما يفعله البرنامج أو المشروع (أنشطته أو تدخلاته) وكيف يؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة.
وتتحدد نظرية التغيير بجملة من المحددات تتمثل فيما يلي:
1. يستخدمها الداعم من أجل:
- فهم الأثر الذي سيُنفِق عليه المال.
- تحديد إطار التقييم الذي سيستخدمه المقيّم.
2. تستخدمها المنظمات غير الربحية من أجل:
- تحديد الأهداف الاستراتيجية وإطار العمل، لتقييم هذه الأهداف.
- تصميم البرامج والمشروعات التي تحقِّق هذه الأهداف.
- تقييم البرامج والمشروعات بصفة جهة منفِّذة، أو طرف ثالث بتصميم إطار التقييم والمؤشرات.
3. تستخدمها أقسام المسؤولية المجتمعية في الشركات من أجل:
- فهم التغييرات الواجبة، وكيفية إجرائها عند التمويل أو تنفيذ مبادرات مجتمعية.
- التركيز على إحداث أثر اجتماعي إيجابي، وكيفية صنع هذا الأثر.
يرجع أصل فكرة نظرية التغيير إلى تعبير "الإدارة بالأهداف" الذي أطلقه Peter Drucker في كتابه الصادر عام 1954 بعنوان "ممارسة الإدارة"، إذ تتطلب الإدارة بالأهداف تحديد الأهداف ذات الترتيب الأعلى والأهداف ذات الترتيب الأدنى، والتي إذا تحققت من المتوقع أن تؤدي إلى تحقيق الأهداف.
ومع بداية التسعينيات 1990، بدأ معهد Aspen بتضمين نظرية التغيير لتقييم ممارسات التغيير المجتمعي، واعتمادها وسيلة لنمذجة المبادرات المجتمعية الشاملة وتقييمها، ومن هنا كانت الانطلاقة والانتشار للعالمية، فقد اعتمدت جهات عديدة حول العالم نظرية التغيير للدلالة على الاهتمام بالتغيرات المبكرة والمتوسطة الأجل اللازمة للوصول إلى هدف طويل الأجل.
ويمر تطبيق نظرية التغيير بخمس مراحل أساسية:
دور نظرية التغيير في تصميم نظام المتابعة والتقييم
لا يبدأ نظام المتابعة والتقييم الناضج من اختيار المؤشرات، بل يبدأ من فهم المسار المنطقي للتغيير، والذي يمكن أن تعمل نظرية التغيير عليه بـ:
- تحديد الافتراضات عبر توضيح لماذا نعتقد أن نشاطاً معيناً سيؤدي إلى نتيجة محددة.
- رسم مسار التغيير بتوفير خريطة طريق تربط المدخلات، والأنشطة، بالمخرجات المباشرة، وصولاً إلى الأثر النهائي.
- توجيه جمع البيانات، بدلاً من جمع بيانات عشوائية، تساعد نظرية التغيير على تحديد البيانات الضرورية، التي تخدم إثبات التسلسل المنطقي للنتائج.
نظرية التغيير تربط بين المتابعة والتقييم وقياس الأثر
إن الخلط الشائع بين المخرجات، والنتائج، والأثر، يؤدي إلى تقارير مضللة، لكن بالمقابل يساعد استخدام نظرية التغيير على الربط المنهجي فيما بينها إذ:
- تركز المتابعة على مستوى الأنشطة والمخرجات (مثل عدد الدورات المنفذة)، وهي البنية التحتية التي تسبق قياس الأثر.
- يفحص التقييم النتائج الوسيطة ومدى تحقق الأهداف المرحلية.
- يبحث قياس الأثر التغيير الحقيقي والمستدام في حياة الناس، وهو ما لا يمكن قياسه بوضوح دون الاستناد إلى المسار الذي رسمته نظرية التغيير.
فإن الأثر الاجتماعي الحقيقي لا يُقاس في نهاية المشروع فحسب، بل يُصمّم منذ اللحظة الأولى عبر نظام متابعة وتقييم ناضج، يستند إلى نظرية تغيير واضحة، هي الضمانة لمصداقية النتائج، والوسيلة لتحويل البيانات من مجرد أرقام صماء إلى قصص نجاح مدعومة بالأدلة.

