الابتكار الاجتماعي
تحديات ذوي الهمم وفرص تمكينهم اقتصادياً

مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 22

تحديات ذوي الهمم وفرص تمكينهم اقتصادياً

   فاطمة حمادة

مفهوم ذوي الهمم:

عندما نتحدث عن الأشخاص ذوي الهمم فإننا نعني الأشخاص الذين لديهم قصور أو عجز في عدة جوانب جسدية أو نفسية، تمنعهم أو تعوق من ممارستهم لحياتهم كالأشخاص العاديين، فيحتاجون إلى أشخاص أو أدوات مساعدة، ليستطيعوا أن يكملوا حياتهم بنحو طبيعي، وهم من الفئات الضعيفة في المجتمع.

وعندما نتحدث عن التمكين الاقتصادي للأشخاص ذوي الهمم فإن ذلك يُعد أحد أبواب السعي لبناء مجتمع مستدام وشامل، ويتطلب جهوداً ممنهجة توفر وصولهم للفرص وتعزز استقلالهم واكتفاءهم الذاتي.

في هذا المقال أستعرض بعض التحديات التي يواجهها الأشخاص من ذوي الهمم، وبعض النقاط التي تعين على تمكينهم اقتصادياً.

من المهم بداية فهم التحديات التي يعاني منها الأشخاص ذوو الهمم، فهم أكثر عرضة للفقر والبطالة ونقص فرص العمل، ونذكر من هذه التحديات:

أولاً- المحدودية في وصولهم إلى العمل وقدرتهم على الحصول على التدريب الجيد:

يعد هذا التحدي من أبرز التحديات أمام ذوي الهمم، فالأشخاص الذين تكون مشكلاتهم حركية سيعانون من صعوبات في الوصول إلى مكان العمل. ويحتاج ذلك إلى اهتمام من أرباب العمل بتأمين مواصلاتٍ لهم، وتسهيل حركتهم داخل مكان العمل. أيضاً يحتاجون أن تكون التدريبات التي يتلقونها تراعي درجة الإعاقة، وتضمن حصولهم على تدريب بكفاءة، فمثلاً: الأشخاص الصم والبكم سيعانون من عدم وجود معلم أو مدرب يتقن لغة الإشارة، ولن تكون التدريبات التي يتلقونها مثمرة وذات نفع لهم.

ثانياً- المفاهيم الخاطئة:

إن هناك الكثير من التصورات الخاطئة عن الأشخاص ذوي الهمم، وهذه الأفكار تنشر صوراً غير حقيقية عنهم، فبعض الناس يظن أن الأشخاص ذوي الهمم لا يمكنهم الاعتماد على أنفسهم، أو تلبية احتياجاتهم الشخصية، أو قيادة السيارات مثلاً، أو التعامل مع التكنولوجيا والأمور التقنية، أو حتى الفهم والاستيعاب. وهذه التصورات تحد بدرجة كبيرة من قدرات هذه الفئة، ومن اندماجهم في المجتمع، ومن فرص استثمار طاقاتهم ومواهبهم والخير الذي بداخلهم.

ثالثاً- التمييز في مكان العمل:

غالباً ما يعاني الأشخاص ذوو الهمم العاملون من التمييز كثيراً، سواء من أرباب العمل أو حتى من زملائهم الموظفين، كالنظرة الدونية والتهميش. وهذا بدوره يعد تحدياً كبيراً يتسبب بعزلهم وعدم استمرارهم في العمل، فضلاً عن إضعافه لأدائهم وكفاءتهم.  

إن هذه التحديات تعوق من فرص التقدم الوظيفي لذوي الهمم، أو الحصول على وظائف ذات أجر جيد لتساعدهم وتعينهم على الاستقلال مادياً، ليكونوا ممكنين أكثر في المجتمع.

وتوجد العديد من الأوجه من أجل تجاوز هذه التحديات وتمكينهم اقتصادياً، والتي سأذكر بعضاً منها:

أولاً- التعليم:

يعد التعليم اللبنة الأساسية لتمكين الأشخاص ذوي الهمم اقتصادياً، وذلك عن طريق توفير التدريبات على المهارات التي يحتاجون إليها، ليكونوا مؤهلين بصفتهم أفراداً في المجتمع أولاً، وأشخاصاً عاملين ثانياً. كما أن البرامج التعليمية التي تدمج الأشخاص ذوي الهمم في المدارس العادية تلعب دوراً مهماً في كسر الحواجز بين الأشخاص ذوي الهمم وغيرهم من الطلاب، وتعزز شعورهم بالانتماء. والمعلمون في المدراس أيضاً لهم دور كبير في هذا الأمر لجعل فئة ذوي الهمم فئة معتبرة، وضمان عدم تهميشهم، وتقديم الحماية والدعم الكافي لهم.

ثانياً- برامج التدريب المهني:

إن برامج التدريب المهني لها دور حاسم في إعداد الأفراد ذوي الهمم لسوق العمل. يجب أن تكون برامج التدريب المهني هذه مبنية بما يناسب الاحتياجات المتنوعة للأشخاص ذوي الهمم، وأن تقدم تدريبات تشمل مجالات التكنولوجيا والأعمال التجارية والصحة وغيرها من المجالات.

ثالثاً- فرص التوظيف:

إن البحث عن فرص عمل والحصول على وظيفة هو أمر شاق على الأشخاص السليمين فكيف بالأشخاص ذوي الهمم؟! إذ إن الحواجز التي أمامهم تعد كبيرة عندما يتعلق الأمر ببحثهم عن فرص للعمل، كحواجز الوصول لأماكن العمل، والحواجز السلوكية المتعلقة بنظرة الأشخاص لهم سواء من أصحاب العمل الذين قد لا يؤمنون بقدراتهم، أو الموظفين الآخرين الذين قد يُشعرونهم بأنهم أدنى أو أقل منهم.

لذلك من المهم السعي لتأمين فرص عمل للأشخاص ذوي الهمم، وتشجيع الشركات على توظيفهم، ووضع سياسات تساعد على تسوية فرص العمل لهم، بالإضافة إلى توجيه أصحاب العمل للاهتمام وتجهيز بيئة العمل بما يناسب ويضمن قدرة الأشخاص ذوي الهمم على أداء عملهم أداءً فعالاً، سواء بتعديل بيئة العمل، أو توفير تقنيات تساعد الأشخاص ذوي الهمم، أو ضمان مرونة في ساعات العمل. إن جعل بيئة العمل بيئة داعمة يزيد من شعور الموظفين من ذوي الهمم بالتقدير والاحترام ويعزز من تقدمهم الوظيفي.

رابعاً- دور التكنولوجيا:

على الرغم من التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الهمم في دخول سوق العمل وفي حياتهم عموماً، إلا أن ثورة التكنولوجيا قد فتحت الكثير من الأبواب، التي تجعل من أمر عمل الأشخاص ذوي الهمم أمراً ممكناً، وذلك عن طريق التقنيات العديدة التي توفرت، والعمل عن بعد الذي وفر فرصاً هائلة لجميع الأشخاص لدخوله، خاصة للأشخاص الذين لديهم صعوبات في التنقل والحركة. وهذا الحقل يجب استثماره، بتوجيههم إليه وتوضيح المجالات التي يمكنهم الخوض بها في مجال العمل عن بعد، وتقديم التدريبات التي يحتاجون إليها فيه، والذي سيجعل منهم ذوي ثقة أكثر بأنفسهم، لهم توصيفات وظيفية ومستقلين مادياً ومدمجين في المجتمع كفئات عاملة وفاعلة بنحو أكبر.

في الختام... لا شك أن موضوع دمج الأشخاص ذوي الهمم له أبعاد كثيرة، ويتطلب تكاتف جهود المجتمع بأكمله على الأصعدة كافة: سواء على صعيد الدولة عن طريق تقديم الاهتمام الكافي لهذه الفئة من المجتمع، وتوفير الموارد والفرص وكل ما يتطلبه لدمجهم في المجتمع وعدهم فئات فاعلة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عنهم وعن قدراتهم. وعلى صعيد الأفراد بتقبلهم لهذه الفئة والتعامل معهم معاملة طبيعية، وتوفير التقدير والاحترام لهم. وعلى صعيد المؤسسات بتوفير فرص عمل متساوية وتهيئة البيئة اللازمة والمعينة لهم.

 إن هذا التمكين للأشخاص من ذوي الهمم ليس أمراً يحقق التساوي والعدالة فقط، بل إنه يعد استثماراً للمجتمع بأكمله بكل طاقاته، ومن ثم العودة عليه بالنفع والازدهار.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...