الابتكار الاجتماعي
الأبعاد والمزايا والتحديات في التحول إلى المدن الذكية

مجلة اتجاهات الابتكار الاجتماعي - العدد 17

الأبعاد والمزايا والتحديات في التحول إلى المدن الذكية

   حسين موسى أوغلو

أدت التطورات المتسارعة والتوجه بكثرة نحو الاستقرار في المدن في الأعوام الأخيرة إلى زيادة الضغط عليها، والدفع نحو إيجاد حلول مبتكرة في التعامل مع هذا التزايد، الذي كان مدفوعاً بعوامل كثيرة، اقتصادية ومناخية بيئية وخدمية، والحاجات المتزايدة من بحث عن جودة التعليم والتكنولوجيا وفرص العمل والرعاية الصحية، كل ذلك شجع على الهجرة نحو المدن والاستقرار فيها، مما خلق ضغطاً كبيراً على البنية التحتية والخدمات، سواء أكانت نقلاً أم صحة أم تعليماً وغيرها، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه بحلول عام 2030م سيعيش 66%  من سكان العالم في المدن، وفي ظل العولمة الرقمية والتقدم التكنولوجي الحاصل صار لزاماً على الدول والحكومات تبني نمط مختلف في بناء المدن وتوسيعها، لتجنب تحديات النمو العشوائي، الذي سيشكل ضغطاً على البنى التحتية والخدمات، ويوفر بيئة خصبة لتوليد إجهادات وتحديات طويلة الأمد.

هذا يدفع باتجاه الابتكار في التخطيط والإدارة في بناء المدن أو تطوير المدن الحالية، لكن بمرونة عالية مع الأخذ بالحسبان الاستدامة في الحلول المستخدمة، فبرزت فكرة المدن الذكية، إحدى الاستجابات لتحديات المرونة والاستدامة بسبب التوسع الحضري، وفكرة المدن الذكية نشأت منذ ما يقارب 20 عاماً، وتقوم على فكرة استخدام التكنولوجيا والثورة الرقمية في حل التحديات الحضرية، والحد من الأثر السلبي للمدن في البيئة، وزيادة إنتاجية البشر، واستخدام الموارد على الأنشطة المهمة، ما يؤدي إلى تحسين الرفاه والصحة والاقتصاد والتعليم، ومن ثم نوعية الحياة.

فأساس فكرة المدن الذكية أو المجتمعات الذكية هو الدمج بين الآلة والإنسان، وبين البعدين الواقعي والافتراضي للحياة، من خلال تسخير الآلات والأنظمة الرقمية في تسهيل الحياة وتحسينها، وزيادة الإنتاجية عبر حياة ذكية، وإدارة ذكية، وبنية تحتية معلوماتية ذكية، شاملة للشبكات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، والبنية التحتية المتطورة للبلديات، كشبكات الطاقة والمياه والنقل.

وللمدن الذكية تعريفات كثيرة، منها: المدينة الذكية هي منطقة حضرية تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) وغيرها من الوسائل، لتحسين نوعية الحياة وكفاءة العمليات والخدمات ورفاهية المواطنين، وتلبية احتياجات الأجيال القادمة فيما يتعلق بالاقتصاد والحياة الاجتماعية والبيئة.

أبعاد تأسيس / أو التحول إلى المدن الذكية

أبعاد المدن الذكية سواء على مستوى التأسيس أو التحول مرتبطة بالتحول الحضري والعمراني بكل جوانبه، الاقتصادية والبيئية والحياتية، وتتمثل هذه الأبعاد:

  1. البنى التحتية الذكية: التي تشمل أغلب المكونات من بيئة ونقل ومعيشة وإنسان وتكنولوجيا وشبكات، كل هذه المكونات حينما تكون مرتبطة ببعضها، ومنظمة بطريقة ذكية سواء على مستوى التحكم والإدارة، أو على مستوى الاستخدام والاستفادة من الموارد، تشكل الهيكل الأساسي للمدن الذكية، فترشيد المياه وإعادة تكريرها، واستخدامها بطريقة ذكية وأتمتة آلية باستخدام التكنولوجيا، ومراقبة شبكات المياه والري والخزانات وتحليل بيانات ذلك ورسم طريق أفضل لاستدامتها وترشيدها، من أهم أبعاد المدن الذكية، كذلك إدارة النفايات وإعادة تدويرها، والاستفادة منها وتقليل أثرها في البيئة، كذلك الأمر بالنسبة للنقل واستخدام وسائل نقل أكثر أماناً وأقل ضرراً على البيئة والحياة، والاتصالات بأنواعها والطاقة والمياه والخدمات الاجتماعية، مما يساهم في تكوين بنية تحتية متناسقة وقوية ومعينة على الإنتاج والرفاهية وتوسيع الاقتصاد.
  2. البيئة والمباني الذكية: يعد الرصد البيئي والتنبؤ المستقبلي بالظروف البيئية الخطيرة من الوسائل الضرورية في المدن الذكية، فتغير المناخ والإشعاع الشمسي وما يصاحبهما من عوامل وتغيرات جوية خطيرة ومؤذية تستدعي هذا الرصد، كما تستدعي الاستعداد له عبر بنى تحتية ذكية ومبان ذكية مقاومة ومتناسبة مع هذه المتغيرات، خاصة وأن هذا الجانب يتعلق بالجانب الصحي وجودة الهواء والغذاء في مثل هذه المدن، وتعد المباني عنصراً أساسياً في هذه المدن، وهي مؤثرة ومهمة انطلاقاً من عملية التصميم ومساحات الاستخدام، مروراً بالبناء وانتهاء بالاستخدام، وما توفره من موثوقية وأمان وصداقة مع البيئة، فالبناء في المدن الذكية يعتمد على تصاميم حديثة ومدروسة بعناية، ليُستفاد منها في كثير من الأمور، سواء الطاقة، أو المقاومة للعوامل البيئية، أو المواءمة مع تقنيات الاتصال والشبكات الحديثة، وحتى إدارة النفايات وتقليل الهدر وتجنب التشوه البصري، كذلك ينبغي أن يتوفر فيها عنصر الأمان والصمود ضد أعمال القرصنة والسرقة السحابية، خاصة وأن هذه المباني مليئة بالأنظمة التقنية المرتبطة بالإنترنت.
  3. النقل الذكي: من خلال أنظمة تساعد على تخفيف الازدحام وتراعي الأنظمة البيئية وتقلل الهدر وتكون صديقة للبيئة، وذلك بالاعتماد على النقل الجماعي، والاعتماد على المركبات الكهربائية أو ذات أنظمة صديقة للبيئة وحتى استخدام الدراجات الهوائية، كل ذلك تساعده تكنولوجيا الاستشعار والتتبع، والإرشادات المرورية والطرقية وأنظمة العبور الذكية، وأنظمة مراقبة المركبات وتقليل الحوادث، وأنظمة مواقف المركبات والمخالفات، بالإضافة إلى شبكة الطرق والسكك الحديدية الذكية ذات الأنظمة المرنة والموثوقة.
  4. الطاقة الذكية: من خلال شبكات الطاقة الحديثة وما تقدمه من رصد ومراقبة واستخدام مصادر طاقة طبيعية ومتجددة، وما تشكله من لبنة أساسية في خفض انبعاثات الكربون، وغيره من المواد السامة الصادرة عن المصادر التقليدية للطاقة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة انطلاقاً من تأسيس المدن الذكية، الذي يبدأ بالبناء وشبكات المياه وغيرها، عبر استخدام تصاميم ومواد وأنظمة إنارة تخفض استخدام الطاقة، وتقلل تأثيرها في البيئة.
  5. الإدارة الذكية: فاستخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة عبر التطبيقات والحوسبة السحابية والبيانات وتحليلها والمراقبة والرصد لما يحدث، يسهم بنحو كبير في أن تكون الإدارة ذكية من خلال الإجراءات الاستباقية وإدارة شؤون المجتمع بفاعلية، وتوجيه الجهود نحو الضروريات والأولويات، كما تعتمد الإدارة الذكية على إشراك المجتمع في القرارات والتشارك معه في الإدارة ووضع السياسات وتنفيذها، عبر فهم الاحتياجات والحقوق، لبلوغ الأهداف التنموية المنشودة، وتسهم أيضاً في تعزيز قيمة التشاركية والتعاونية لدى أفراد هذه المدن.
  6. الرعاية الصحية الذكية: الجانب الصحي جانب مهم ومرتبط بكل الجوانب الأخرى في المدن الذكية، فهو الغاية الأولى لتعلقه بحياة الإنسان، ولأن تسخير التكنولوجيا إنما كانت غايته الإنسان، فالرعاية الصحية تراعى انطلاقاً من التخطيط وتأسيس البنى التحتية، لتجنب ضررها على الإنسان، وكذلك في الأبنية من خلال الاعتناء بالمساحات وأنظمة التهوية والإنارة، مروراً بنقاء الهواء وتوفير المساحات الخضراء وأنظمة المرور وغيرها، وكل هذا يخدم جودة الحياة، كذلك وجود نظام البيانات الصحية الرقمية، ونظام الخدمة الصحية المنزلية، والتشخيصات المبكرة ونظام الوقاية القائمة على بيئة صحية نظيفة ولقاحات وقائية، والعيادات المتنقلة، وتقديم الخدمات الصحية في مستشفيات مجهزة بأحدث الأجهزة والتقنيات، وتوفير معلومات صحية حول الأوبئة والأمراض وحالات السكان، لتجنب الأضرار الصحية والتمكن من السيطرة على أي وباء أو مرض يمكن أن يحصل.
  7. الاقتصاد الذكي: وهو الاقتصاد المشجع على الابتكار والإنتاجية وريادة الأعمال، من خلال استخدام أفضل التقنيات وتوظيف التكنولوجيا والآلة في الاقتصاد، ومرونة سوق العمل، كما أن احتواء المدن الذكية على شبكة اتصالات حديثة وبنية تحتية قوية وموثوقة يدعم الاقتصاد ويساهم في تحسين عجلته وتسريعه، من خلال الاستثمار في التقنية وخلق فرص عمل واستثمارات جديدة، وتحسين المنافسة من خلال البيانات والتحليلات، كما أن المدن الذكية تعزز النمو الاقتصادي من خلال إيجاد قطاعات اقتصادية واعدة ومهمة، كالزراعة والتعليم والرعاية الصحية وأسواق التجزئة وقطاع الترفيه.
  8. التعليم الذكي: من خلال نظام التعليم القائم على التكنولوجيا والاتصالات وتطبيقات التعليم المتقدمة، التي ترتكز على الإنسان المتعلم، وتستخدم العديد من التقنيات، كتقنية الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي، الذي دخل أخيراً بقوة، وسجلت أولى المحاولات التوظيفية له بنحو شبه كامل في العملية التعليمية، من خلال تدشين برنامج تعليمي جديد تحت مسمى "سيبر وينغ" (Sabrewing)  في مدرسة (David Game) في المملكة المتحدة لطلاب المرحلة الثانوية، يعتمد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالكامل، من خلال الحواسيب ونظارة الواقع الافتراضي، إلى جانب مستشارين تعليميين للمراقبة وتقديم الدعم فقط.

ويقوم التعليم الذكي على البيانات وتحليلها، لفهم تفضيلات الطلاب، وتوفير المحتوى التعليمي المناسب، وتسهيل الوصول إلى المعلومة الموثوقة، كما يقوم على تطوير أنظمة تعليمية مناسبة ومتنوعة وذات محتوى وأدوات -اختبارات ومحاكاة وألعاب وفيديوهات ومنصات- متكاملة.

هذه أبرز الأبعاد التي يمكن التركيز عليها في أثناء التأسيس أو التحول للمدن الذكية، ويضاف إليها أبعاد أخرى تتعلق بالإدارة والحوكمة لهذه المدن، والزراعة وما يتعلق بها، ويمكن إضافة أمور أخرى تتعلق بكل جوانب الحياة، ولكن هذا النمط من التحول إلى المدن الذكية يذهب بالإنسان إلى الاعتماد على التكنولوجيا بنحو مخيف، ينجم عنه كثير من التحديات على أصعدة مختلفة اجتماعية واقتصادية وأمنية، فلا يمكن النظر إلى المدن الذكية من زاوية واحدة فقط، من حيث الرفاهية والسرعة والتكنولوجيا، بل يجب أن تكون النظرة أشمل وأوسع ومتوازنة.

مؤشرات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للمدن الذكية، الذي وضعته اللجنة التقنية للمنظمة الدولية للتوحيد القياسي (JTC1) واللجنة كهروتقنية الدولية (IES)

 

مزايا المدن الذكية

يرى الكثيرون المدن الذكية من أفضل الأماكن التي يمكن العيش فيها، والحصول على مزايا كثيرة لا توجد في كثير من الأماكن، ويمكن أن تكون مزايا المدن الذكية هي ذاتها الأسس والأبعاد التي بنيت عليها، فالبنى التحتية الذكية والمدروسة، والاقتصاد الذكي بكل جوانبه، سواء الإنتاجية أو التسوق أو المصارف وخدماتها، والزراعة والمساحات الخضراء، والأبنية الذكية، ونظام التنقل، والتعلم، والرعاية الصحية... إلخ، كل هذا من الميزات التي ينعم بها من يقطن هذه المدن.

ويمكن إجمال الميزات بـ:

  • تحسين جودة الحياة: تعد هذه المدن أماكن رائعة للعيش والعمل، نظراً لاستخدام المدن الذكية مجموعة متنوعة من التقنيات لتقديم حلول متصلة للسكان. توفر هذه المناطق الحضرية تنقلات أقصر، وأنظمة مواصلات يمكن الوصول إليها بسهولة، وشوارع أكثر أماناً، ومساحات خضراء، وهواء أنظف، وخدمات محسنة للسكان، وفرصاً اقتصادية كثيرة، وكل هذا يصب في تحسين جودة حياة سكان المدن الذكية بدرجة أكبر.
  • تحسين الإدارة والحوكمة: لا تُحسِّن التكنولوجيا حياة السكان فحسب، وإنما تتيح للوكالات الحكومية أيضاً تبسيط العمليات الإدارية المختلفة، وتيسر لها الوصول إلى البيانات الرقمية والبنى التحتية، وتحليل هذه البيانات مما يساعدها على التطوير والتحسين المستمر وزيادة الإنتاجية والخدمات، وتلافي الأخطاء والاستعداد للمخاطر بأنواعها.
  • تأمين بيئة مستدامة وآمنة: تساعد التقنية على فهم الآثار الكربونية وتخفيف تأثيرها في البيئة، لأن الاستدامة أصبحت أولوية قصوى للسكان في جميع أنحاء العالم، تستفيد المدن الذكية من الحلول الرقمية من أجل تعزيز كفاءة الطاقة، وتعزيز ممارسات المياه المستدامة، وقياس انبعاثات الكربون وتقليلها وخلق بيئة آمنة للسكان، لكن هذه المحاولات ما زالت قاصرة، ولا تشكل إلا مساحات قليلة على سطح الكوكب، ولكن يمكن الاعتماد عليها، كونها أحد أهم الحلول في الحفاظ على الأرض وتقليل الأضرار المناخية.
  • خدمات أفضل: توظيف التكنولوجيا يساهم في إيجاد خدمات أفضل وأسهل وأسرع، تزيد من رفاهية الناس ومتعتهم بمرافق وأنظمة حديثة، وتعليم متقدم ومميز، ووسائل نقل ذكية، وتجارب رقمية، والمدن الذكية تقدم هذه الخدمات باستخدام سهل بموثوقية إلى حد ما، ولا تغفل تأمين المعلومات العامة الحساسة، لكن المخاطر المحيطة بالموثوقية وأمان المعلومات والأنظمة في تزايد، فكلما تقدمت التكنولوجيا زادت المخاطر، ونحن نشهد بين الفينة والأخرى تهديدات ومخاطر سيبرانية جديدة، وزادت أكثر منذ ظهور الذكاء الاصطناعي، وقد حذر من ذلك الكثير من التقنيين وشركات التكنولوجيا حول العالم.
  • تحفيز اقتصادي: تسرِّع المدن الذكية وتيرة النمو الاقتصادية من خلال توظيف التقنيات الذكية، فهي تجذب إليها العديد من الاستثمارات والشركات بفضل البنية التحتية الذكية والخدمات التي تقدمها، وما تمتلكه من بيانات وتحليلات قوية تساعد الشركات على التخطيط والإنتاج والتسويق لمنتجاتها، وتحديد القرارات والاستراتيجيات الصائبة.

كما أن تأمين بيئة نظيفة تعتمد على الطاقة النظيفة، وتسرع الإنتاجية، وتجذب الاستثمارات، كل ذلك يقلل من الهدر والتلوث، ويعزز نمو الاقتصاد المحلي.

تحديات المدن الذكية

تعتمد المدن الذكية على دمج التكنولوجيا في حياة الناس والاستفادة من التقنية، كل ذلك لتحسين الكفاءة في الخدمات وحياة الناس وتحقيق الرفاهية، ورغم إمكاناتها الكبيرة لتحسين نوعية الحياة وتقديم حلول مبتكرة، إلا أنها تواجه عدداً من التحديات التكنولوجية والاقتصادية والمجتمعية، منها:

التهديد الأمني والموثوقية

احتواء المدن الذكية على أنظمة تقنية متعددة، وشبكات إنترنت وشبكات استشعار وإنترنت الأشياء وشبكات البيانات الضخمة، كل ذلك ينشئ مفهوم الأمن السيبراني والثقة في هذه المدن، فالأمن السيبراني مهم جداً ويجب أخذه بالحسبان في تطبيقات مشروعات المدن الذكية وتصميمها، فالأمن السيبراني، والصحة الإلكترونية، وإدارة شبكات الخدمات والإنترنت، وإدارة الكوارث، والاهتمام بالسلامة العامة، تشكل تحدياً كبيراً، من خلال إدارتها مجتمعة بكفاءة والحفاظ على الخدمات واستدامتها، مع حماية البيانات الشخصية، فالتكامل بين هذه الأنظمة مجتمعة يشكل تحدياً.

ومن المخاطر التي تهدد الثقة في المدن الذكية اعتماد المدينة للأجهزة والشبكات والتطبيقات قبل اختبار الأنظمة الأساسية، كما تهدد الأنشطة السيبرانية الخبيثة القطاعات الحيوية في المدن الذكية، من خلال السيطرة على المرافق عن بعد، والهجمات السيبرانية وغيرها، وخاصة مع التطور السريع للتقانة، مما يتطلب الحديث المستمر الذي سيزيد الكلفة ويتطلب موارد إضافية.

العلاقات الاجتماعية

التهميش الذي قد يحصل لفئة من المجتمع يؤدي إلى تفاوت طبقي، وذلك لقلة المعرفة أو الإمكانات في التعامل مع التكنولوجيا الموجودة، كذلك عدم التقبل الذي يمكن أن يكون ردة فعل على طلب التكيف السريع في التعامل مع التقنيات الجديدة في الحياة اليومية، في الدفع الإلكتروني والنقل الذكي وإدارة المنازل.

كذلك تأثير التقنية في الوظائف التقليدية، مما يثير قضايا اجتماعية بشأن تمكين القوى العاملة وتوفير فرص عمل، كذلك التأثير في نمط الحياة الاجتماعي، ومن ثم التفاعل الاجتماعي في المجتمع داخل هذه المدن، إذ يزيد الاعتماد على التواصل الرقمي بدل التواصل الشخصي، فالروابط التقليدية تختفي وتتلاشى، لذلك تأسيس المدن الذكية أو التحول إليها يستدعي تخطيطاً وإدارة جيدة واعية لما قد يعترضها من تحديات، مع الأخذ بالحسبان خصوصية المجتمعات وثقافتها.

وأيضا الجذب الكبير الذي ستشكله المدن الذكية لمزيد من السكان، مما سيؤدي إلى هجرة كبيرة نحوها، رغبة في حياة أفضل لجودة الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية، وهذا سيزيد الضغط على البنية التحتية والاجتماعية، مما يخلق فجوات جديدة تحول المدن الذكية إلى مدن تظهر فيها العشوائيات والمشكلات، لذلك الموازنة في تطوير المدن والتوسع في تنمية باقي المناطق أو الخدمات الأساسية لبقية المناطق سيخلق توازناً مطلوباً وضرورياً.

الاقتصاد والبيئة

التكاليف الباهظة لتنفيذ المدن الذكية وإنشائها، والتحول من مدن تقليدية إلى مدن ذكية يتطلب كثيراً من الأموال والاستثمارات والتكنولوجيا والبنية التحتية المتطورة، وهذا يعد عائقاً أمام الدول النامية، ويضاف إليه تكاليف التشغيل والصيانة والحفاظ على الأنظمة الذكية وتحديثها باستمرار، خاصة مع التقدم التكنولوجي السريع في الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية وما يتعلق بالأمن السيبراني.

ويلحق به العوائد التي يمكن توقعها من إنشاء مثل هذه المدن، فإنشاء هذه المدن يكلف الكثير من الموارد والكفاءات والاستثمارات، فهي مرتفعة التكلفة مقارنة بالعوائد المتوقعة من هذه التكلفة والاستثمارات.

التحديات البيئية أو الأضرار البيئية التي يمكن أن تفرزها هذه المدن الذكية، فرغم أن المدن الذكية تهدف إلى تعزيز الاستدامة البيئية واستخدام التكنولوجيا للحفاظ على البيئة، إلا أن استخدام مثل هذه التكنولوجيا في مراكز البيانات وتصنيع الأجهزة يفرز بصمة كربونية مضرة بالبيئة، فهذه التقنيات والأجهزة لها عمر افتراضي، مما يعني زيادة حجم النفايات الإلكترونية وكيفية التعامل معها وإدارتها، كذلك استهلاك الطاقة الكبير الذي تسببه التكنولوجيا، فالمدن الذكية تحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة لتشغيل هذه الأنظمة وإدارتها، مما قد يكون تحدياً لاستدامتها إن لم يُستثمر في الطاقة البديلة أو المتجددة.

 نظرة موازنة

ظهور التكنولوجيا وتطورها المتسارع في الآونة الأخيرة وخاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي، ساهم في تعزيز فكرة المدن الذكية ودمج التقنية في حياة الناس، واستخدامها لتحقيق الرفاهية على كل مستويات حياة الناس، كما عزز هذه النظرة التطبيقات التقنية والحياة المتسارعة، والرغبة في زيادة الإنتاج والحياة الاقتصادية للدول، ولكن يجب التنبه إلى أمور كثيرة في أثناء التخطيط للتحول إلى المدن الذكية، فكثير من التوصيفات والتعريفات للمدن الذكية تركز على الجوانب والحلول التقنية التي تتمتع بها، مثل الأبنية الذكية، والطاقة، والاتصال بالإنترنت، وكانت عندها المدن الأذكى هي تلك التي استعملت هذه التكنولوجيات لتوفير المال وتأمين بنية تحتية عالية الجودة، وظهرت أنماط وحلول متقدمة للمدن الذكية، ولكنها تركز على الجانب التقني، دون الاعتناء بالسياق وتحقيق الأثر لتلك الأنماط، فالجانب الاجتماعي يشكل الشق الآخر للمدن الذكية، وهو ضرورة حتمية كشف عنها التقدم في الجانب التقني للمدن الذكية، ولكن الاعتناء بالسياق الثقافي والمجتمعي للمدن الذكية ما زال في مستوى لا يمكن الاعتماد عليه في رسم السياسات ولا تحديد الأثر، ورغم ذلك ظهرت نماذج وأطر جديدة للمدن الذكية أخذت السياقات المختلفة بالحسبان، كالبيئة والحياة الاجتماعية.

لذلك على صانعي السياسات ومجالس البلديات الفهم الصحيح للسياقات المختلفة المتعلقة بالمدن الذكية، وملاحظة الممارسات الفضلى في التجارب الأخرى للاقتباس منها، مع التركيز الشديد على الظروف الضرورية لجعل المدينة ملائمة للعيش وفق ثقافتها وبيئتها الاجتماعية، وحسب الموارد والإمكانات، وإلا أدى الأمر إلى تكرار التجارب، وفصل المدن الذكية عن واقعها وبيئتها الاجتماعية والثقافية، فما يناسب مدينة وبيئة ثقافية واجتماعية قد لا يناسب غيرها والعكس صحيح.

ونهاية أجد نفسي أميل إلى الاتجاه الذي عرف المدن الذكية بأنها المدن التي يمكن التحكم بنموها بطريقة ذكية، من خلال مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى تحسين نوعية الحياة، والحفاظ على البيئة الطبيعية، وتوفير المال مع الوقت، ويرى هذا الاتجاه النمو المالي والبيئي والمسؤولية الاجتماعية مبادئ أساسية للنمو الذكي، ويعززها التكامل المجتمعي، بوضع الأولويات المتمثلة في النمو الحضري والتجديد والاستراتيجيات الحضرية التي تعتمد على عشرة مبادئ، منها: الاستدامة البيئية، والتوازن مع التقاليد، والتقنية الملائمة للمدينة ولبيئتها الثقافية والاجتماعية، وأيضاً المتعة والترفيه القائم على الإنسان والصداقة، والاهتمام بالمساكين والتجمعات الثقافية والاجتماعية.

بالإضافة إلى مبادئ الكفاءة، والمقياس الإنساني، ومصفوفة الفرص، والتكامل الإقليمي، والحركة المتوازنة، والتكاملية بين المؤسسات.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...