الابتكار الاجتماعي
دور البنية التحتية الرقمية في تحقيق التمكين الاقتصادي

مجلة اتجاهات الأثر الاجتماعي - العدد 22

دور البنية التحتية الرقمية في تحقيق التمكين الاقتصادي

   حسين موسى أوغلو

دور البنية التحتية الرقمية في تحقيق التمكين الاقتصادي

تعد الرقمنة عملية ضرورية لتسريع الوصول إلى المعلومات والبيانات، واستخدامها في التعليم وابتكار الحلول. وهي عملية تحويل المعلومات والبيانات من شكلها المادي والورقي إلى شكل رقمي يمكن تخزينه ومشاركته ونشره عبر التكنولوجية والتقانة. وتشمل البنية التحتية الرقمية مراكز البيانات وشبكات الإنترنت والبنية المنظمة والقوانين المنظِّمة والموارد البشرية ذات المهارة والتدريب.

تعد الرقمنة عصباً مهماً في دورة الحياة الاقتصادية والتقدم الاقتصادي والتقني والتنظيمي وغيره من القطاعات الحيوية في البلدان، فهي تسهم في نشر المعارف والعلوم، وتسريع الخدمات وتقليل الزمن، والتحسين والتطوير. فمثلاً: تساعد الشركات في التنظيم والإدارة والإنتاج، كما تسهم في استدامة الأعمال واستدامة البيئة الخضراء عبر الاستغناء عن كثير من المواد غير الضرورية، وبالتالي تقليل البصمة الكربونية، وتزيد كفاءة التشغيل في كل القطاعات الصحية والتجارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمن والصناعة وغيره.

لذلك تعد أساساً للنجاح والتقدم والتطوير والابتكار الاقتصادي، ومع الثورة الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي، يعد التخلف في البنية الرقمية تخلفاً في كل شيء.

توفير بنية تحتية رقمية تحقق التمكين الاقتصادي

ازدياد الضغط على الموازنات العامة للدول وعلى موازنات الشركات من الناحية التشغيلية، يحتم عليها التفكير في التحول السريع إلى الرقمنة وتوفير بنية رقمية ملائمة وذات كفاءة، لتقديم أفضل الخدمات وأحسن أداء بأقل تكلفة، وهذا يستدعي توفير بنية رقمية الأساس لتحقيق التمكين الاقتصادي عبر التشغيل الأنسب، وتشمل البنية التحتية الوسائل الإلكترونية المستخدمة في قطاع الأعمال والاتصالات والقطاعات الأخرى كونها متكاملة مع بعضها، ومنها: الأجهزة الحاسوبية والأجهزة الذكية والاتصالات الهاتفية، والشبكات،...كما تمتد إلى قطاع الطاقة إذ لا بد من توفير الكهرباء لتكون البنية التحتية فعالة. وعناصر البنية التحتية، هي:

  • الشبكات والاتصالات: تشمل الشبكات السلكية واللاسلكية التي تربط الأجهزة والأنظمة معاً، مثل الإنترنت وشبكات الجيل الخامس 5G.
  • مراكز البيانات: هي المرافق التي توفر مساحة لتخزين ومعالجة البيانات والتطبيقات بشكل آمن وفعال.
  • الحوسبة السحابية: توفر الموارد الحاسوبية (مثل المعالجة والتخزين والشبكات) كخدمة عبر الإنترنت، مما يسمح بالوصول إليها واستخدامها عن بعد.
  • الأمان الرقمي: يشمل الأدوات والتقنيات التي تحمي البيانات والمعلومات من الهجمات الإلكترونية والتهديدات الأمنية.
  • البرمجيات والتطبيقات: تشمل البرامج والتطبيقات التي تستخدم لتقديم الخدمات الرقمية وتنفيذ العمليات المختلفة.
  • تكنولوجيا الحوسبة الحدودية (Edge Computing): توفر معالجة البيانات والخدمات بالقرب من مواقع الاستخدام لتقليل التأخير وتحسين أداء التطبيقات.

تعتبر البنية التحتية الرقمية أساسية لتطوير الاقتصاد في مختلف القطاعات، بما في ذلك الأعمال التجارية والصناعية والتعليم والصحة والسياحة وغيرها. يعتمد نجاح الخدمات الرقمية على وجود بنية تحتية رقمية قوية وموثوقة لدعمها.

كما أن جودتها مرتبطة بإدارة هذه البنية التحتية والإشراف عليها وصيانتها. من خلال إدارة الأجهزة والبرامج والشبكات ومراكز البيانات، لضمان توفر البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات وموثوقيتها وأمانها. كما ترتبط الجودة بالعمل على تحديث هذه البنية باستمرار عبر التقييم الدوري الشامل لها، وتحديث الأجهزة والشبكات وتدابير الأمن السيبراني وأنظمة تخزين البيانات وأنظمة المراقبة والأداء والأتمتة والصيانة المنتظمة.

دعم وتوسيع منصات التعليم الإلكتروني

التعليم الرقمي هو أحد الأدوات الرئيسية للتمكين الاقتصادي. من خلال المنصات الإلكترونية، يمكن للجميع الوصول إلى فرص تعليمية متساوية، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الإمكانات المادية. ووجود التعليم الرقمي يغطي فجوة ليست بالصغيرة في عالم التعليم، خاصة مع ضرورة التعلم المستمر والاطلاع الدائم على ما هو جديد في شتى المجالات. وهذا النوع من التعليم يعزز الاقتصاد ويزيد من فاعلية الأشخاص في العمل، كما يسهل التدريب ورفع القدرات على المؤسسات ويعزز مهارات الأفراد، مما يساهم في الدورة الاقتصادية للبلاد.

ويمكن أن يكون الدعم والتوسيع للمنصات التعليمية عبر توجيه الاستثمارات نحوها، وتزويدها بمحتوى سهل الاستخدام ومبتكر، والتشجيع على التعلم الذاتي، وتكون بإشراف الوزارات والمؤسسات المعنية، وأن يخضع للتقييم الدوري والتحديث المستمر ومواكبته لكل جديد، والعمل على الدعم عبر الاعتماد للشهادات الصادرة عنها وفق شروط معينة.

فالتعليم الإلكتروني عبر المنصات التعليمية يساهم في زيادة فرص التعلم وتوسيعه، ليشمل كل الشرائح المجتمعية، كما يخفف العبء الاقتصادي عن الوزارة والمؤسسات المعنية عبر تخفيف التكاليف التعليمية والتشغيلية من مواد ومعلمين ومباني وأجهزة وتجهيزات، ويساهم في رفع سوية الأفراد وتعزيز معارفهم ومهاراتهم مما ينعكس على تطوير رأس المال البشري، ويدعم ريادة الأعمال والابتكار عبر التدريب وتوفير حلول مبتكرة، مما سينعكس على الاقتصاد في مختلف مناحيه، ويسهم في إنمائه.

تطوير وتشديد التشريعات المتعلقة بالأمن السيبراني

مع تزايد استخدام التكنولوجيا الرقمية، تصبح حماية البيانات والمعاملات أولوية قصوى. فتعزيز قوانين الأمن السيبراني وتطوير تشريعات تضمن حماية الخصوصية والبيانات يُعد ضرورياً لبناء ثقة المستخدمين وتحفيزهم على استخدام الحلول الرقمية، فالفضاء السيبراني الآمن والموثوق هو إحدى الركائز التي تبنى عليها الثقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من خدمات الإنترنت، والخدمات الإلكترونية، وتطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتبرز أهمية تشريعات السيبرانية عبر وجود إطار تنظيمي وضوابط وإجراءات لتنظيم استخدام وحماية المعلومات على الشبكة عبر البريد الإلكتروني وغيرها من التطبيقات، ومنعا للتلاعب والاحتيال، ولإضفاء الصفة الشرعية على التعاملات الإلكترونية وبيان ضوابطها ومحدداتها، ولدعم وتحفيز التجارة الإلكترونية إقليمياً ودولياً إذ أغلب الدول والشركات تتجه نحو الاستثمار في هذا المجال، بالإضافة إلى البيانات الشخصية التي تمنع الفضاء الإلكتروني، والتي قد تكون على مستوى عال من الحساسية والخصوصية. مع تزايد التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي والتزايد المطرد لأعداد المستخدمين تظهر استخدامات مسيئة للفضاء السيبراني، من انتحال شخصيات وسلب للأموال، وتزوير للوثائق والأشخاص، والتحرش الإلكتروني وغيرها من الجرائم السيبرانية التي تحتاج إلى تشريعات وقوانين تضبطها وتمنعها.

وهذا يحتاج إلى:

  1. تنظيم ورشات عمل خاصة بالجهات التشريعية والبرلمانيين عن أهمية التشريعات السيبرانية لبناء الثقة بالفضاء السيبراني وبالخدمات الإلكترونية وحماية المستخدم.
  2. إعداد تدريب مخصص للقضاة والمحامين على صياغة قوانين وتشريعات تتلاءم مع مستلزمات الفضاء السيبراني.
  3. إقامة ورشات عمل تدريبية وطنية للفنيين وأعضاء النيابة وأجهزة الأمن ورجال الضبط القضائي عن نصوص التشريعات السيبرانية وكيفية تطبيقها.
  4. عقد اجتماعات عمل وطنية وإقليمية للخبراء في مجال الفضاء السيبراني لتبادل التجارب والخبرات الجديدة في المجال.
  5. تنفيذ برامج لتأهيل أجهزة الضابطة العدلية والهيئات القضائية عبر توفير كوادر تتمتع بمعرفة تخصصية وإتاحة الوسائل التقنية اللازمة لها.
  6. إقامة برامج التوعية لفئات المجتمع المختلفة عن التشريعات السيبرانية وأهميتها في ضمان حماية المستخدمين للفضاء السيبراني.
  7. تطوير المناهج التعليمية الجامعية من خلال إدخال المواضيع المتعلقة بالتشريعات السيبرانية في مناهج كليات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومناهج الشهادات المتقدمة والمتخصصة، مع إقامة دورات خاصة عن هذا الموضوع.

كل ذلك يسهم في تعزيز الثقة في التكنولوجية الرقمية والبنية التحتية الرقمية للبلاد،  ويمكِّن لها لتأخذ دورها الفعال في الاقتصاد  والمجالات الصحية والتجارية والتعليمية والسياحية والأمنية والمجالات الأخرى الكثيرة، التي تصب في نهاية الأمر في التمكين الاقتصادي للدولة،  وإن الدولة الإقليمية العربية تحاول المسارعة في تنظيم هذه التشريعات وتحديثها ومواكبة التغييرات الحاصة على مستوى العالم عبر تضمينها في هذه التشريعات، ففي مصر والأردن وتونس ولبنان تشريعات للأمن المعلوماتي والسيبراني، وتخضع للتطوير على مر السنين، وفي المملكة العربية السعودية استراتيجية متكاملة للأمن السيبراني تحت مسمى (الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني) تدعم التحول الرقمي وتعكس رؤية المملكة 2030، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى:

  1. حوكمة متكاملة للأمن السيبراني على مستوى وطني.
  2. إدارة فعالة للمخاطر السيبرانية على المستوى الوطني.
  3. حماية الفضاء السيبراني.
  4. تعزيز القدرات الوطنية في الدفاع ضد التهديدات السيبرانية.
  5. تعزيز الشراكات والتعاون في الأمن السيبراني.
  6. بناء القدرات البشرية الوطنية وتطوير صناعة الأمن السيبراني في المملكة.
الخاتمة

في عصر التقدم التقني وثورة الذكاء الاصطناعي صار لزاماً على الدول والبلدان الاهتمام بالبنية التحتية الرقمية والاستثمار فيها، لأنها المستقبل والتخلف فيها يعقبه تخلف في كل المجالات. كما أن تعزيز التنمية المستدامة وتوفير بنية تحتية رقمية متطورة يتيح الوصول إلى خدمات متقدمة تدعم ريادة الأعمال، وتسرّع من تبني الابتكار في مختلف القطاعات في الوقت نفسه. كما أن التعليم الإلكتروني -أحد أدوات البنية الرقمية- وسيلة فعّالة لتطوير رأس المال البشري، مما يضمن توفير فرص تعليمية للجميع ويعزز من جاهزية الأفراد لسوق العمل الرقمي ويحقق التمكين الاقتصادي. ويعد الأمن السيبراني عصب البنية التحتية وصمام أمانها وسبب ازدهارها وتطورها، لما يمثله من ضمان وحماية للبيانات والمعلومات، ولما يكتنف البنية التحتية الرقمية من مخاطر وأعمال قرصنة وتزوير، لذلك فإن تشديد التشريعات وتطوير الأطر التنظيمية في هذا المجال يعزز الثقة في الاقتصاد الرقمي، ويدعم بيئة آمنة للنمو الاقتصادي والابتكار. ومع تكاتف وتعاضد الجهود والخبرات لدى الدول، يمكن بناء فضاء سيبراني متوازن وطموح وآمن يبني اقتصاداً شاملاً يستفيد منه الجميع.

شارك هذا المقال

تواصل معنا

نرحب بكافة استفساراتكم وتساؤلاتكم...